كثير هي المفاهيم والمصطلحات التي دخلت المغرب على عهد الحماية الفرنسية، فالاستعمار كعادته، يجلب معه ثقافته وعاداته وأنماط عيشه وتنظيماته الإدارية…ومن المفاهيم الجديدة التي أصبحت متداولة نجد الفضاء العام كمفهوم حديث ومعاصر بمعناه المدني، حيث نشأ عموما بداية من النصف الأول للقرن العشرين كنموذج الهندسة المعمارية الحديثة . فالفضاء العام جاء كترتيب للعلاقة بين الخاص( الفردي) من جهة، والعمومي ( المجتمع والجماعي) من جهة أخرى، وهو أيضا ترتيب للعلاقة بين الحق والواجب، والحرية والالتزام، بين الفرد والمؤسسة. أما الملك العمومي أو المرفق العام بلغة بسيطة هو كل الأمكنة التي يستعملها عامة الناس لقضاء أغراضهم ومصالحهم، والملك العمومي من أهم المرافق الحيوية التي تضمن حق المواطنين في التمتع بالفضاءات أو المجالات المشتركة، كالأرصفة، والساحات، والطرق، والحدائق…
غير أن هذه المرافق تعرف اختلالات في استغلالها حيث تطبعها العشوائية و تجاوزات وتكاد لا تخلو مدينة أو مركز بالمغرب من مظاهر احتلال الملك العمومي بل أصبحت الظاهرة بنيوية بفعل عدة عوامل، كالهجرة والبطالة و الهشاشة وضعف المراقبة.. وبضعف منسوب الوعي بأهمية الثقافة للفضاء العام .
لقد أصبح مشهد احتلال هذه الفضاءات مألوفا في كثير من المدن المغربية، حيث تتعالى احتجاجات وشكاوى المواطنين من الفوضى بسبب العربات، و الاحتكاك بالباعة الجائلين، والمقاهي التي تمدّ كراسيها إلى وسط الطريق ، و المحلات التجارية التي تعرض سلعها وسط الشارع ، مما يُعيق حركة السير، ويشوه جمالية المجال الحضري…
ولم يسلم حتى الملك البحري من هذه التجاوزات حيث يعمد بعض النافذين، وخاصة بمدن الشمال، إلى تشييد اقامات وفلات فارهة على الملك العمومي البحري وتسييجها ، بل وقطع الطريق العام في وجه المارة وذلك أمام تغاضي السلطات الفروض فيها حماية حق المواطن في الفضاءات العامة…؟
وتشهد كثير من مدننا، بين الفينة والأخرى، حملات تحرير متكررة للملك العمومي، سيما الجماعي منه وسط تغطية إعلامية محلية، وتقوم بهدم البنايات غبر المرخص لها…كأنها شيدت في غفلة من أعين السلطات بين يوم وليلة…؟
وبمجرد ما تنتهي تعود حليمة لعادتها القديمة…!؟ حملات يمكن قراءتها على أنها ذر الرماد في العيون ليس إلا ..! مما يحتم بالمطالبة بتطبيق القانون على جميع من هم في وضعية مخالفة.
ومن أبرز تداعيات احتلال الملك العمومي، عرقلة السير والجولان واحتلال الأرصفة والطرق من طرف المقاهي و الباعة المتجولين، أو عرض للسلع حيث يضطر الراجلين إلى المشي في وسط الطريق، مما يعرض حياتهم للخطر بسبب حوادث السير ويخلق حالة من الفوضى والارتباك. ناهيك عن تشويه جمالية المشهد الحضري بسبب الترامي على الفضاءات العامة بالمدن وتدني جودة البيئة الحضرية. إضافة إلى خسائر مالية للجماعات سببه الاستغلال غير القانوني أو تجاوز في المساحة المرخصة يفوت عليها رسوم مالية هامة يمكن استثمارها في التنمية المحلية.
و لهذا يفرض السؤال نفسه و بإلحاح عن آليات تحرير الملك العموممي و مدى المسؤولية القانونية للمجالس الجماعية والسلطات المحلية في مواجهة هذا الوضع؟
وتجدر الإشارة إلى أن المشرع المغربي قد عرف الملك العمومي على انه مجموع الأملاك التي تخصص للمنفعة العامة وتخضع لسلطة الدولة أو الجماعة الترابية. ويُعتبر احتلاله، سواء المؤقت أو الدائم، تصرفًا يخضع لشروط قانونية صارمة، لا سيما بموجب الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 1.59.315 المتعلق بالمحافظة على الطرق العمومية، والقانون التنظيمي 113.14 المتعلق بالجماعات. ومع ذلك، فالكثير من هذه المساحات يتم استغلالها بشكل غير قانوني، إما بتغاضي المجالس الجماعية، أو نتيجة ضعف تدخل السلطة المحلية، ما يجعل المواطن هو المتضرر الأول . يرجع ذلك إلى الفوضى التدبيرية وتضارب الاختصاصات حيث يتم تقاذف المسؤولية عن هذه الظاهرة بين السلطات المحلية وأعوانها (الباشا و القائد…..) والمجالس الجماعية، مما يؤدي إلى تفاوت في التدخل بين الصرامة والتساهل رغبة في “السلم الاجتماعي”..؟و تضرر أصحاب الرخص القانونية من جراء المنافسة غير الشريفة من قبل محتلي الملك العمومي المخالفين تجعل التجار والمهنيين يشعرون بالغبن وهم الملتزمين بدفع الضرائب ورسوم الاحتلال.
و حسب القوانين المعمول بها فقد أناط المشرع المغربي بالمجلس الجماعي مسؤولية تدبير واستغلال الملك العمومي الجماعي، وهو ما يُنظمه القانون التنظيمي 113.14 المتعلق بالجماعات، خاصة في المادة 83، التي تُقر بأن من بين الاختصاصات الذاتية للمجلس “تنظيم واستغلال الملك العمومي الجماعي“.
ويمنح هذا القانون للمجلس الجماعي سلطة إصدار تراخيص مؤقتة لاستغلال أجزاء من الملك العمومي، مثل الأرصفة أو الساحات العمومية..، لأغراض تجارية أو مهنية أو خدماتية، مقابل أداء رسوم تحدد في لوائح جبائية مصادق عليها.
ويمكن اتخاذ إجراءات في حق المخالفين وذلك بإنذار أصحاب المحلات والمقاهي المخالفة وحملات هدم وإزالة التجهيزات (الكراسي، الطاولات، الحواجز واللوحات الإشهارية العشوائية.) التي تحتل الرصيف والطرقات وحجز المواد والمعدات المستعملة في الاحتلال غير القانوني.(تدفع هذه الحملات إلى الإسراع بإزالة الأطناف -الكيبيات-… غير القانونية ومباشرة إجراءات التسوية الإدارية) مما ينعش خزينة الجماعة الوصية باستصدار الرخص اللازمة لممارسة النشاط التجاري..،ويمكن الترخيص بالاحتلال المؤقت حيث يخضع استغلال الملك العام لدفتر تحملات وموافقة مجلس الجماعة، خاصة للمقاهي والمطاعم. كما يتم فرض رسوم وضرائب جديدة، حيث رفعت بعض الجماعات سعر المتر المربع للاستغلال المؤقت بشكل كبير لتقنين القطاع.
غير أن التطبيق العملي و المعاينة اليومية و الميدانية يكشف عن عدة اختلالات، وذلك قد يكون بسبب الاعتبارات الانتخابية و المحسوبية؛ و من خلال منح تراخيص بدون ضوابط واضحة أو تحيين دوري و التوسع العشوائي في المساحات المُستغلة من طرف المحلات والمقاهي. و ضعف المراقبة من طرف اللجان الجماعية المكلفة بتتبع الاستغلال و عدم تفعيل مسطرة سحب الترخيص في حالة المخالفة، رغم أن القانون يسمح بل يفرض بذلك.فمن عجيب الصدف أن محلات تجارية تؤدي رسوم حول استغلال العمومي و دون حصولها على رخصة مزاولة النشاط الرئيسي أو تزاول نشاطا تجاريا أو مهنيا غير مرخص مغايرا
كل هذه الممارسات تكرّس واقعًا من الفوضى والتمييز، وتمسّ بجوهر العدالة المجالية وحق المواطن في الولوج إلى الفضاء العمومي دون عوائق كما يضمنه القانون.
و هنا يبرز الشق الثاني من مسؤولية السلطة المحلية ، فرغم أن إصدار التراخيص يدخل ضمن اختصاص الجماعات، فإن مسؤولية تنفيذ القانون ومحاربة مظاهر الفوضى تقع على عاتق السلطة المحلية، ممثلة في الباشاوات والقياد وأعوان السلطة (القانون 57.19 .2022): يمنع هذا القانون بشكل صريح كراء أو تفويت الأرصفة والشوارع العمومي، معتبراً إياها ملكاً مشتركاً للمواطنين..؟ فهؤلاء يتحملون مسؤولية السهر على النظام العام، وتطبيق القوانين التنظيمية، بما فيها تحرير الملك العمومي من الاحتلال غير المشروع.
لكن الواقع يُظهر تفاوتًا كبيرًا في مدى تدخل السلطة، إذ أن بعض ممثليها يتعاملون بصرامة مع هذه الظاهرة( بناءً على المادة 110 من القانون التنظيمي 113.14 للجماعات) ، بينما يفضل آخرون “السكوت مقابل السلم الاجتماعي”، أوغض الطرف لعرض في نفس يعقوب… عن استغلال الملك العمومي خارج القانون،خاصة حين يتعلق الأمر بالفئات الهشة كالباعة الجائلين. وهذا ما يخلق حالة من الفوضى.
في النهاية، المواطن البسيط هو من يدفع ضريبة هذا التداخل في الاختصاصات والتقاعس في التدخل. فالأرصفة لم تعد صالحة للمارة أو الراجلين، والطرق تتحول إلى أسواق عشوائية، والشوارع يسيطر عليها أصحاب السترات الصفراء الذين يفرضون، إتاوات بالإكراه على أصحاب السيارات، والأحياء تغرق في فوضى عمرانية وتنظيمية تُقوّض جمالية المدينة وتحرم المواطن من حقه في فضاء عام نظيف وآمن.
لذا، يجب العمل على مكافحة الهجرة من الأرياف والبوادي إلى المدن و التي تعتبر عنصرا أساسيا في بروز هذه الظاهرة، وتشكل أحزمة البؤس حول المدن وتفرز ظاهرة الفراشة التي تزيد من تعميق الاقتصاد غير المهيكل الذي يؤثر سلبا على الاقتصاد الوطني.
ولا شك أن تدابير من قبيل إحداث وتنظيم أسواق مؤقتة بالفضاءات العامة ( أسوة بالدول المتقدمة) أو مجالات خاصة بالمتلاشيات (الجوطية، jetez la)، تخفف من ظاهرة الفراشة وتمكن التجار من عرض السلع والبضائع في وقت تحدده السلطات( و يتم إلزاميا تنظيف وجمع المخلفات … و ) وتحقق استفادة لكل المتدخلين في المجال، للتجار والزبناء من جهة والجماعات الترابية من جهة ثانية، التي تحقق مداخيل إضافية من الرسوم والإتاوات…
و من أجل تفعيل حقيقي للمساءلة القانونية ، فلم يعد كافيًا إلقاء اللوم على طرف دون آخر. فالحل يمر عبر تفعيل ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز التنسيق بين المجالس الجماعية والسلطات المحلية، وإشراك المجتمع المدني في مراقبة وتتبع ظاهرة احتلال الملك العمومي، فضلًا عن تحديث الإطار القانوني وفرض غرامات زجرية على كل من يخرق القوانين المنظمة لهذه الأملاك. ويجب التفكير كلك في تبسيط مسطرة التسجيل في المنصة الرقمية، خصوصا أن فئة واسعة من التجار وأرباب المقاهي و…ليست لهم معرفة بطريقة التسجيل.. !؟
وقد نجد هذه الظاهرة في كثير من الدول، لكن مع تباين المقاربات المعتمدة لمعالجتها. وفي تقديرنا،المقاربة الزجرية ( إنفاذ القانون ) لوحدها غير كافية، والاكتفاء برد الفعل، بل يجب القيام بإجراءات استباقية وتحريك آليات رصد المخالفات، والأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الاجتماعية المعقدة حيث تشكل الظاهرة مصدر رزق لفئات هشة (باعة متجولين…)، مما يجعل إخلاءهم يتطلب مقاربات اجتماعية وليس فقط أمنية.
إضافة إلى ذلك يجب القيام بحملات تحسيسية لتعزيز مستوى الوعي وتهذيب سلوك المواطنين وتفعيل دور التربية والتعليم والأسرة في التربية على المواطنة داخل الفضاء العام وفي العلاقة بالملك العمومي باعتباره ملكا جماعيا، كل هذا من شأنه أن يلعب دورا أساسيا في رسم طبيعة هذه العلاقة وتحديد مستوياتها و كذلك إحياء قيم التضامن والتسامح والإيثار والعيش المشترك…
إن الترسانة القانونية التي نتوفر عليها تمنح الأجهزة الوصية (المجالس الجماعية والسلطات المحلية)، الأدوات والصلاحيات الكافية لتدبير الملك العمومي بشكل فعال إن توفرت الإرادة، لكن غياب الحزم والصرامة في التنفيذ والتنسيق يجعل هذه النصوص مجرد حبر على ورق.
ولذا، ولتجاوز هذا الوضع لا بد من تبني سياسات عمومية مندمجة و حكامة ترابية رشيدة،يراعى فيها التوازن بين متطلبات التنظيم للحفاظ على النظام العام وضرورات تحقيق العدالة الاجتماعية.







