من الطبيعي أن يصاب المهاجر ب”التناوي” عندما يعود إلى البلاد ويجد “الهايلالة” في المطارات والموانئ، وأشخاصا لا يعرفهم يبتسمون له في الملصقات والإعلانات والتلفزيون، وكل الرسميين يتحدثون عنه بنبرة ترحيبية حارة تدعو إلى الريبة، ويباركون “عودته الميمونة” كأنه راجع من الحجّ… حين يهتم بك أحد زيادة عن اللزوم لا تملك إلا أن تشك في نواياه، خصوصا إذا كنت لا تعرفه، ودون أن تشعر تجد نفسك تحتاط منه وتتساءل: “علاش كيقلب هاد خينا؟” “فين باغي يوصل هاد بنادم؟”… ذلك بالضبط ما يحدث لهؤلاء المغاربة الذين نتذكرهم في الصيف وننسى وجودهم بقية الفصول.
هؤلاء العائدون، الذين تشبَّع معظمهم بثقافة الدول التي يعيشون فيها، يجدون أنفسهم أمام احتفالات عتيقة تذكرهم ب”عيد العرش المجيد” في نسخته الرصاصية، والحال أن كثيرا منهم غادر البلاد هربا من هذه العقلية التي تَغرق في البهرجة وتنسى المهم، وتذكر بتلك المراسيم العتيقة التي تقام عندما يمر الملك من أحد الشوارع، حيث تصبغ “الطروطوارات” وتجيّر المباني ويعود الضوء إلى المصابيح وتنبت الفواكه في الأشجار… ولو أجريْنا استطلاعا للرأي بين المهاجرين لوجدنا أن الغالبية الساحقة لا تثق في المبادرات الرسمية المخصصة لهم، وأنهم مقتنعون بأن ما يهمّ الحكومة هي ما يحملونه في جيوبهم من عملة صعبة، جمعوها بشق الأنفس في حقول ومصانع الآخرين، في بلدان بعيدة.
هناك شيء يشبه الاحتيال في علاقة الحكومة مع ملايين المغاربة الذين شردتهم الظروف بين أطراف المعمور، كأننا نستدرجهم بالإعلانات والابتسامات والحملات الرنانة كي نفرغ جيوبهم. ولا شك أن من سَمّى وقت رجوعهم بموسم “العبور” كان يعرف ماذا يقصد… “كيعبرو عليهم”: ياخدو لهم “الدوفيز” ثم يتركونهم يتدبرون مصيرهم مع الغربة ومشاكل الأبناء ومع الهوية الدينية واللغوية، ومن حين لآخر يرسلون إليهم سبعة معلمين وعشرة أئمة ويغرقونهم بالوعود: فتح مراكز ثقافية، حق المشاركة السياسية، تبسيط الإجراءات القنصلية، تخفيض أسعار الرحلات… وغيرها من الأسطوانات التي ملّ المهاجرون من سماعها.
هناك تناقض صارخ بين الحملات الدعائية وعدد المؤسسات التي تستمد وجودها من قضايا “المغاربة المقيمين في المهجر” وبين ما يعانيه هؤلاء المواطنون في بلدان الإقامة وأثناء عودتهم إلى البلاد. باسم المهاجرين تُصْرف ميزانية ضخمة ل “مجلس الجالية المغربية بالخارج”، مثلا، دون أن يكون له أي علاقة بقضايا المهاجرين الحقيقية، لأنه سقطَ منذ تأسيسه بين أيدي حفنة من المتنفعين. لقد استطاع إدريس اليزمي أن يجعل مؤسسة دستورية في خدمة نزواته الشخصية ومصالحه الضيقة. تحول “المجلس” إلى “دار نشر” تصدر كتب أصدقائه وخلاّنه، كأنّ المهاجرين كلّهم كتّاب وأساتذة جامعيون. ميزانية المؤسسة تُصرف على الأسفار والمعارض والمهرجانات والإقامة في فنادق خمسة نجوم… في وقت “يتبهدل” فيه المهاجر على أبواب القنصليات ونقط العبور ويتعرض للابتزاز في مختلف الإدارات، وليس له أي مشاركة سياسية.
شهران من النفاق والحفاوة المزيفة وعام من البيروقراطية على عتبات قنصليات تتوفر على كل مواصفات “المقاطعة” في سنوات الجمر، رغم التعليمات الملكية الصارمة والتنقيلات الزجرية والعقوبات التأديبية، بمجرد ما تهدأ العاصفة وتخفّ المراقبة “تعود حليمة الى عادتها القديمة”. أن تحصل على الفيزا إلى دولة أوربية في البلاد أسهل من الحصول على وثيقة تافهة في بعض القنصليات بالمهجر !
يبدو أن الأموال التي تصرف على البرامج والمشاريع والتدابير وغيرها من التسميات البيروقراطية التي تبرر إهدار ميزانيات ضخمة، لا يستفيد منها الا حفنة من المتنفذين ومن الشركات التي تستحوذ على “المارشيات”الموجهة ل”عمالنا بالخارج”. الحكومة تهتم بالعملة الصعبة التي في جيوبهم وحساباتهم، دون أن تتخذ تدابير جدية لتحسين الظروف الأصعب التي يواجهونها عندما يريدون تجديد وثائقهم الإدارية وعندما يفكرون في الاستثمار أو البناء، حيث مازال رجال السلطة في كثير من المدن والبلدات يتصرفون مع المهاجر مثل “بقرة حلوب”، ولا يمنحون له أي وثيقة إلا بعد استنزاف جيبه، ناهيك عن بعض أفراد الجمارك والشرطة والدرك الذين يذكرهم المهاجر بحرف “الهمزة”. بمجرد ما يرون السيارة مرقمة في الخارج يوقفونها، رغم أنها لم ترتكب أي مخالفة، يطبقون عليهم مبدأ “لغْرامة”، كما هو معروف في الأعراس الشعبية. ولعل نكتة الدركي الذي أوقف سيارة مهاجر على الطريق، دون أن يرتكب أي مخالفة، تلخص كل شيء. “جبد الپيرمي!”، قال الجدارمي للسائق بلهجة حازمة. أعطاه البيرمي. «آرا لاكارط گريز». أعطاه «لاكارط گريز». «خدّم السينيال»، ها السينيال. «خدّم الفار». ها الفار… بعدما يئس الدركي ولم يجد أي مبرر للابتزاز سأله:
-المسجلة عندك خدامة.
– خدامة نعام آسيدي.
– عندك شي كاسيطة ديال الشعبي.
– كاينة.
– خدّمها…
بمجرد ما بدأ الستاتي يغني شرع الجدارمي في الرقص وقال له:
-إيوا آش كتسنى علق لخوك شي 200 درهم…







