عام 2016، دخل مستثمر أجنبي مصر حاملا معه مليون دولار. قام بتحويل المبلغ للجنيه المصري بسعر صرف دولار واحد= 8 جنبهات، فحصّل 8 ملايين جنيها أقام بها مشروعا وبدأ العمل.
بعد 7 سنوات، عام 2023، بلغ مجموع عائدات الرجل 50 مليون جنيها (رأس المال الأصلي+ الأرباح المتراكمة). بالأسعار الحقيقية، وبسعر صرف الجنيه أمام الدولار عام 2023، 1 دولار= 50 جنيها، لم يبرح صديقنا المستثمر مكانه، ولا زال يملك مليون دولار لا غير بحساب 50 مليون جنيه÷ 50 جنيها (سعر الدولار). ذهبت سبع سنوات من العمل عِجافا، هباء منثورا!
نستحضر هذه القصة المُبسطة، لكن الواقعية، لما يمكن أن يواجهه المستثمرون الحقيقيون (الخالقون للقيمة لا الحالبون للمواد الأولوية) كما المواطنون البسطاء، مُستبقين احتمال فتح موضوع تعويم الدرهم نهاية عام 2026، كما توقع والي بنك المغرب أكثر من مرة.
حاكم البنك المركزي (الجواهري) حدد شروطا “تقنية” للاستئناف تعويم الدرهم، أهمها:
● ضرورة التحكم في التضخم.
● ضمان وجود نظام مصرفي قادر على الصمود.
● تأمين رصيد ملائم من العملة الصعبة.
● ضبط عجز الموازنة.
لكن السبب الحقيقي في تحفظ والي بنك المغرب عد(حتى الآن) عن البدء في تحرير الدرهم يكمن في الخوف من تدهور عجز الميزان التجاري في عهد حكومة (البارديات)، حيث تمويل السوق يأتي من الخارج من اللحم حتى طايب وهاري، الميزانية من الضرائب حصرا وتمويل المشاريع من القروض!
عجز الميزان التجاري للبلاد بلغ 159 مليار درهم مع نهاية الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، مرتفعا بنسبة 20.8% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.
عجز من المرجح أن يزداد بوتيرة ثابتة مع بلوغ معدل انكشاف الاقتصاد المغربي لعتبة 89%. 89% من ناتجنا المحلي مرتبط بما نُصدر لنجلب العملة الصعبة، أو بما نستورد لسد حاجيات السوق الوطنية. الخبراء يؤكدون على ضرورة عدم تجاوز معدل الانكشاف لـ 50%.
مع هذا الارتباط العضوي بالخارج، تبرز تحديات أخرى يجب على المغرب مراعاتها قبل تنفيذ تعليمات صندوق “النّكد” الدولي، أبرزها:
○ انتظار هدوء أزمات جيوسيايبة عالمية كحـ.رب الإبـ.ادة في الشرق الأوسط وحـ.رب روسيا على أوكرانيا، وأخيرا حرب أمريكا وإسرائيل على إيران. أزمات تؤثر في سعر مواد أساسية نستورد جل حاجياتنا منها كالحبوب وباقي المحاصيل الاستراتيجية، والنفط ومشتقاته.
○ الحذر من تقلبات أسعار الفائدة الأمريكية، والتي قد تُروِّنُ عدة حسابات للمغرب. أو إجراءات أخرى كفرض دونالد ترمب رسوم جمركية إضافية على شريك المملكة الأول الاتحاد الأوروبي، أو سحب بلاده من اتفاقيات مناخ تلعب فيها الرباط دور منقد الكوكب!
○ التركيز على الأجواء السياسية في فرنسا بين السيد ماكرون وبرلمانه واستقرار حكومة في مكانها. فأزمات السياسة في باريس تؤثر على الاقتصاد وعلى حال المغاربة، من أكبر مهندسي “رونو” و”ألستوم”، لأصغر عمال ماطيشة في فيرمات شتوكة.
بين مسائل تقنية دقيقة من جهة، واستمرار التعلق والتعويل على البراني من جهة، تضيع وتغيب حلول هيكيلة حقيقية ستمكن بلادنا من الاستفادة من تحرير العملة، دون الخشية من انهيار اقتصاد وقدرة المواطنين الشرائية كما حال مصر، السودان وغيرهم الكثير!
اقتصاد مرِن قادر على تعويض أي إضطراب في سلاسل الإمداد العالمي، داخليا بتوفير منتوجات محلية الصنع بديلة عن المستورد بثمن بأسعار مقبولة، وخارجيا بتصدير منتجات ذات قيمة مضافة عالية لتبقى العملة المحلية مطلوبة ومستقرة. هذا هو الحل الذي لا يريده لا صندوق “النَّكد” الدولي، ولا جماعات رجال المال المسيطرون والمستفيدون من نموذج استيراد الأساسيات وتصدير الكماليات.
طال الزمن أو قصر، غنبقاو ندورو ندورو، ونهار نحرروا الدرهم سنكون قد ضغطنا على بوطونة “سطاج الوحـ.ش”؛ فاستقرار هذا البلد أولا وأخيرا استقرار أسعار، ومعدلات التضخم الحالية هي “كتاكيت” مقارنة بما ينتظرنا بعد “سباحة الدرهم”. وإن غدا لناظره لقريب!
للقصة بقية…







