أزيد من 10 آلاف أسرة يتزاحم فيها الآباء والأبناء، في”كراجات” و غرف مشتركة مع الجيران، أو لاجئين لدى الأقارب، أو مشردين في الخلاء.
هذا هو المشهد الذي يختفي وراء الوجه العابس للوالي اليعقوبي، الذي قام بتسخير عشرات الجرافات لهدم حوالي 30 ألف “براكة”، ومنزل، بإقليم الصخيرات تمارة، ليرمي بقاطنيها للشارع دون توفير شقق لإعادة إسكانهم.
حدث ذلك في سابقة ألصقت بالوزارة الوصية تهمة “المشارك” في هذه “الجريمة، خاصة بعد أن تبين النفخ في أرقام عدد المعنيين بإعادة الإسكان، والذي انتقل من 21 ألف أسرة إلى 30 ألف، بعد أن استفاد اليعقوبي من خُفُوت الاحتجاجات بفعل الاعتقالات والمحاكمات ليوسع نطاق الهدم .
الوالي اليعقوبي الطامح لتولي منصب وزير الداخلية، اعتبر أنه من توابل تزكية نفسه، تقديم دليل على صرامة تعود لسنوات الرصاص، وسرعة في الإنجاز سحقت كرامة آلاف المغاربة، بعد أن ذرف عدد من كبار السن دموعهم أمام البرلمان، وهم يلاحقون من طرف القوات العمومية في وقفات احتجاجية تم التصدي لها بالمنع.
والي فوق العادة
اليعقوبي الذي ترك ورائه احتجاجات الحسيمة، وجعل من نفسه واليا فوق العادة بعد تعيينه بالرباط، لم يفهم الدرس، ولا توجيهات الملك، واعتبر أن سعيه للوصول لهذا المنصب يمر عبر سحق “كرامة الناس”، و مسح عشرات الآلاف من البرارايك والدور السكنية، وجعل قاطنيها مشردين في بلد يسعى ملكُه بكل جهده لتدعيم أساسات الدولة الاجتماعية.
“هي سابقة في تاريخ عمليات الإسكان، وعملية تهجير عرت عن سلوك سلطوي بشع يستبيح كرامة المواطن المغربي”، يقول فاعل جمعوي فضل عدم الكشف عن اسمه، بعد أن صارت المتابعات تلاحق كل من ينتقد ممارسات السلطة بإقليم تمارة، أو بالتدقيق ممارسات الوالي اليعقوبي.
حكايات المآسي التي ارتبطت بعميلة التهجير القسري التي شهدتها المنطقة بمبرر تطهيرها من دور الصفيح لازالت تنتج فصولا جديدة، ضمن سيناريو أخرجته السلطة التي تعامت عن تفريخ الآف البراريك، قبل أن تقرر مسحها من الوجود دفعة واحدة لترمي بقاطنيها للشارع والمجهول.
بدوره يقول المستشار الجماعي حسان معزوز عن فيدرالية اليسار الديموقراطي أن بعض الضحايا تحولوا لمشردين في غابات المنطقة، وتعرضوا للاضطهاد من طرف رجال السلطة لطردهم من دائرة نفودهم، كما هو حال ثلاثة أشقاء اثنان منهم مصابان بمرض نفسي .
معزوز قال أن الشقيق الأكبر هو من كان يتولى رعاية شقيقيه قبل أن يموت كمدا، ويترك أخويه هائمين في الغابة بعد هدم “البراكة” التي كانت تأويهم، وإجبارهم على دفع ثمن الاستفادة من شقة لازالت مجرد وعد، رغم أنهم لا يملكون قوت يومهم.
اليوم أزيد من 10 آلاف أسرة تحولت لضحية للوافد الجديد الذي قدم من الرباط، ليشغل منصب عامل بالنيابة، بعد إعفاء عامل تمارة ضمن حكاية لازالت كثير من تفاصيلها مُبهمة في انتظار الافراج عن نتائج التحقيق الذي باشرته الفرقة الوطنية.
المستشار معزوز كشف أن عملية الهدم تجاوزت “البراريك” للمنازل، وطالت أيضا أصحاب الحقوق في أراضي “الكيش” الذين انتزعت أراضيهم دون منحهم سنتيما واحد.
معاناة آلاف الأسر التي عاينت الجرافات وهي تسحق براريكها ومساكنها لم تتوقف عند حدود إجبارهم على العيش في الكراجات أو في الخلاء، أو كراء غرف، بل تفاقمت مع إجبارهم على دفع حوالي 3 ملايين تشمل التسبيق وواجبات الموثق تحت طائلة سحب حق الاستفادة من شقة لم يتم بنائها.
ويبدو أن هذه المعاناة لن تتوقف قريبا، خصوصا إذا علمنا أن المقاولات التي أشرفت على بناء الـ20 ألف وحدة أولى أحجم أصحابها عن إعادة الكرة والتكفل ببناء العشرة آلاف المتبقية، بسبب ما أسمته مصادرنا “معاملة غير لائقة” و”العراقيل وغياب ظروف الاشتغال”.
حيث تقول المصادر إنه تم تقديم ثلاثة عروض لإبداء الاهتمام لبناء العشرة آلاف وحدة لكن لم تتقدم أي مقاولة للحصول على “الصفقة”، وهو ما يهدد باستدامة المشكل، وبقاء العشرة آلاف أسرة عرضة للتشرد، تقول المصادر ذاتها.
بيع وشراء في الضحايا
الأدهى من ذلك أن بعض الأسر تعرضت لعملية احتيال حسب معزوز من خلال إجبارهم على الدفع مقابل شقق هي عبارة عن “شياطة”، و”ديشي” كانت في عهدة بعض الشركات العقارية، وهي عبارة عن شقق تعذر بيعها بسبب عيوب مرتبطة بطبيعة البناء، او التهوية، أو المساحة، علما مساحة الشقق التي سُلمت لبعض الأسر المتعددة الأفراد لا تتجاوز 48 مترا.
وقال معزوز أن عملية الهدم والترحيل القسري تمت تحت غطاء ما قيل أنه “برنامج اجتماعي” لإعادة الإسكان، لكن منح الأولية في السكن في مناطق مميزة لمن يملك “الكاش” فضحت زيف هذا الشعار، يضيف معزوز، الذي قال أن حالة من التعتيم تُمارس حول هذه العملية بعد أن انتقل الرقم من 21 ألف أسرة الى 30 ألف أسرة.
وكانت الهيئة الإقليمية لحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي بالصخيرات قد أعلنت في وقت سابق أنها سترفع التجاوزات التي طبعت عملية معالجة السلطات المحلية لملف السكن الغير اللائق بالإقليم والتي يشرف عليها الوالي اليعقوبي لوزير الداخلية.
وتوقف الحزب عند عملية الهدم والترحيل، وما صاحبها من تشريد للعديد من الأسر والتجار والحرفيين ومن ذوي الحقوق الملاك الأصليين للأراضي ومن تظلمات لمختلف الفئات الاجتماعية المتضررة.
وأعلنت الهيئة عن رفضها للمقاربة الانفرادية والمتسرعة التي نهجتها السلطة العمومية والتي تركز على عملية الترحيل وإخلاء الوعاء العقاري دون اعتبار للجوانب الاجتماعية ولإجراءات المواكبة الملائمة لطبيعة الفئات المجتمعية المعنية التي تعاني غالبيتها من الفقر والهشاشة.
جاء ذلك بعد أن راهن الوالي اليعقوبي على مسح جميع البراريك بالمدينة في وقت قياسي لتحويله إلى إنجار على حساب السلم الاجتماعي بالمدينة… والنتيجة خلق “غيتوهات” جديدة بالصخيرات، تهدد بإنتاج قنبلة سكانية تعج بالفوضى والفقر والجريمة.







