بعد أن نجحت بذور القنب الهندي الأفغانية في التسلل إلى حقول كتامة والريف وباب برد قبل عقدين من الزمن، جاء الدور على عينات جديدة من الحشيش القادم من أمريكا اللاتينية التي بسطت هيمنتها على سوق الإنتاج، وتمكنت من إزاحة صنف “البلدية” المغربية.
تم ذلك في إطار السعي لمضاعفة المحصول بعد تقليص المساحات المزروعة من طرف السلطات، لكن “البلدية” بدأت تسترجع اليوم مكانها وتطرد البذور الهجينة بعد تقنين زراعة القنب الهندي بالمغرب.
كانت “المكسيكية” أحد أحدث نبتات القنب الهندي التي تسربت إلى المغرب على شكل بذور، لتجد في الحقول الموزعة بين منطقة كتامة والريف رحماً خصباً لإنتاج جيل جديد من المخدرات التي توجه بالأساس للسوق الدولية. لتضاف المكسيكية القادمة من دول أمريكا اللاتينية إلى عينات كشفت أن زراعة الكيف تطورت وأصبحت تستعين ببذور معدلة وراثياً، ولها قدرة على إعطاء كميات مضاعفة من غبار القنب الهندي، قبل أن تصبح هذه البذور “منبوذة” مع اتخاذ المغرب لقرار التقنين.
قرار لقي تجاوباً كبيراً من طرف المزارعين، خاصة بعد أن تم طي صفحة الملاحقات والمتابعات القضائية بعد العفو الملكي على 4.831 شخصاً من المدانين أو المتابعين أو المبحوث عنهم في قضايا متعلقة بزراعة القنب الهندي والمتوفرين على الشروط المطلوبة للاستفادة من العفو.
بذور من وراء البحار
يقول -ص- وهو فلاح خَبِرَ جيداً سوق القنب وتقلباتها، بعد أن اشتغل لسنوات مع شبكات تهريب دولية قبل أن يقرر التوبة عقب عقوبة سجنية: “المكسيكية ليست الوحيدة التي تسللت إلى حقول القنب المغربي، بل ظهرت أصناف أخرى تحمل أسماء غربية مثل ‘النشبة’ وعينات أخرى تحمل أسماء الفواكه، مثل ‘الأفوكادو’، وهي بذور تختلف كثيراً عن بذور القنب المغربي التي تتميز بصغر حجمها وهشاشتها ولونها الفاتح، في حين أن البذور القادمة من وراء الجبال والبحار لها لون قاتم وبنيتها قوية مثل قوة الإنتاج الذي تمنحه للفلاح”.
وأشار نفس المصدر إلى أن معظم مزارعي القنب كانوا يبحثون قبل التقنين عن العينات الجديدة لأنها مطلوبة في السوق، وتمنح كميات مضاعفة من الإنتاج، حيث يصل المحصول إلى 40 كيلوغراماً من غبار الحشيش الصافي في كل هكتار، في حين أن كمية الإنتاج في حالة استعمال بذور “البلدية” لا تتجاوز 17 كيلوغراماً في أحسن الأحوال، رغم اللجوء إلى استعمال الأسمدة بشكل مفرط.
هذا الواقع كشف أن التدابير التي اتخذتها السلطات المغربية من أجل تقليص المساحات المزروعة بالقنب الهندي كانت تواجه أيضاً بسعي من طرف شبكات الترويج للحفاظ على نفس نسبة الإنتاج، ولو تم تقليص المساحات المزروعة بالنصف، بحكم أن البذور الوافدة تضمن كمية إنتاج مضاعفة لتلك التي تمنحها البذور المحلية.
“خردالة” بذور مجهولة الهوية
اسمها الغريب هو الكلمة الأكثر تداولا لدى المزارعين وشبكات التحويل والإنتاج، بعد أن أصبحت تحتل المرتبة الأولى ضمن أصناف “الحشيش” المطلوبة في السوق الدولية بالنظر إلى مفعولها القوي الذي جعلها تستحق هذه التسمية، كما أكد أحد المزارعين بمنطقة زومي، والذي تقمص دور محلل لغوي ليقول: “خردالة.. سميت كذلك لأنها تُخردل، أي تصيب بحالة هلوسة في حالة تدخينها، عكس الحشيش البلدي الصافي الذي يحافظ مستهلكه على تركيزه. أما خردالة فتصيبه بـ”الوسواس”، وحالة من الجمود والعجز عن الحركة والكلام بشكل طبيعي”. وأضاف بأن بذور خردالة مجهولة المصدر وتسربت قبل عشر سنوات إلى إقليم الشاون الذي يحتكر حوالي 40 في المائة من حجم إنتاج القنب الهندي، لتنتشر إلى باقي مناطق الإنتاج، حيث أصبح عدد من المزارعين يبحثون عن بذورها التي تمنح كمية إنتاج أكثر.

وأشار نفس المصدر إلى أن بذور خردالة، وعكس البذور التي كانت تستعمل في حقول الكيف المغربية منذ القرن الخامس عشر، تمنح شتلات قوية تتحول إلى شجرة قصيرة، لكنها متعددة الأغصان التي تحمل كميات كبيرة من “العوينة” التي تنتج البذور، علماً أن غبار الحشيش لا يوجد في النبتة بأكملها بل فقط في “العوينة”، ما يسمح للفلاح بالحصول على كميات كبيرة من المنتوج شريطة أن تتم العناية بالنبتة من خلال منحها جرعات مضاعفة من السماد وإمدادها بالماء اللازم للنمو وهو ما أدى لاستنزاف خطير للموارد المائية.
وقال إن عدد من المدمنين القدامى يتفادون استهلاك “خردالة” بالنظر إلى مضاعفتها الخطيرة على الصحة النفسية، عكس الحشيش الذي كان يسوق قبل عقدين من الزمن، مشيراً إلى أن رفع الإنتاج جاء على حساب الجودة، علماً أن ثمن الكيلو غرام من الحشيش المتخلص من خردالة يساوي حوالي 8000 درهم، في حين لا يتجاوز ثمن المنتوج المحلي 6000، وفرق السعر وكمية الإنتاج هو ما جعل المزارعين يستبدلون البذور المغربية بتلك القادمة من الشرق ومن أمريكا اللاتينية.
وكانت منطقة لعناصرة نقطة انطلاق بذور “خردالة” التي تمنح للفلاح قنطارين من الكيف الخام في كل مئة متر مربع من الأرض، أما المنتوج الخالص من غبار الحشيش فيتراوح ما بين ثلاثة إلى أربعة كيلو غرامات لكل قنطار، وتتميز المخدرات المستخلصة من “الخردالة” بدخانها الكثيف.
الباكستانية بذور بـ”تشادور” أفغاني
جزء كبير من إنتاج الحشيش بالمغرب حالياً هو في الواقع إعادة تدوير لبذور جلبت من أفغانستان، بعد أن تم توريد كميات مهمة من البذور انطلاقاً من جارتها باكستان لتستقر بالمغرب وتحمل اسم “الباكستانية”، وهي العملية التي انطلقت قبل عقدين من الزمن بطريقة محتشمة مستفيدة من تقهقر بورصة الحشيش اللبناني والأفغاني في سوق المخدرات الدولية نتيجة عدم استقرار الوضع الأمني بالمنطقة. ووفق ما كشف أحد المزارعين بمنطقة باب برد، التي تحولت إلى وجهة لاستقبال البذور الجديدة من أجل تجريبها قبل تعميمها على باقي حقول الكيف، فإن وصول الباكستانية لحقول القنب الهندي بالمغرب جاء بإملاء من شبكات الترويج الدولية التي لها امتدادات لا تُعرف بدايتها ونهايتها، والتي تسعى للحفاظ على طلبات المستهلكين من أجل ضمان استقرار أرقام معاملاتهما التي يقدر بحوالي عشرة ملايير دولار سنوياً، وفق ما أثبتت دراسات دولية.
وقال نفس المصدر إن “الباكستانية” تسللت أول مرة إلى حقول كتامة، وصارت تحتل الرقم 2 في سلم الحشيش المطلوب سواء من قبل المنتجين أو كبذور من طرف المزارعين، قبل أن يتم الشروع في منح تراخيص لزراعة بذور الصنف المحلي.
بذور عابرة للقارات
“المكسيكية” دخلت إلى حقول الريف المغربي انطلاقاً من أمريكا اللاتينية قبل سبع سنوات، وتوزيعها لا يزال في نطاق محدود جداً، علماً أن بذورها لا تصلح للأرض البور بل تحتاج إلى كميات كبيرة من مياه السقي من أجل ضمان محصول جيد، وهو الأمر الذي جعل عدد من المزارعين يحجمون عن تجريبها بحكم ضيق نطاق الأراضي التي تستفيد من مياه السقي واعتماد نسبة كبيرة من محاصيل القنب الهندي على الأراضي البورية.

البذور التي هاجرت بشكل غير شرعي لتستقر بالمغرب ساهمت أيضاً في تغيير أسماء عدد من المستخلصات التي يتم توجيهها للاستهلاك إما داخل المغرب أو خارجه، فإلى جانب “البارد”، أي المخدر الذي لا يحتاج إلى رفع درجة حرارته من أجل تجميعه في صفائح، ظهر “الكماش”، وهو حشيش يكون عبارة عن مسحوق، وفي حال اقتراب النار منه يتجمع مثل البلاستيك، إضافة إلى أسماء منتجات أخرى مثل “النشبة” وغيرها.
يقول -ن ع- وهو أحد مزارعي الكيف بمنطقة باب برد بإقليم الشاون إن الإقبال على البذور الأجنبية فرضته الصعوبات التي كانت تواجه المزارعين مع المنتج المحصل من البذور المحلية، والتي تعطي شتلات تبقى تحت رحمة التقلبات المناخية، خاصة رياح الشركي التي تهب على المناطق الشرقية والشمالية بعد موسم الزرع وأياما قبل جني المحصول، الأمر الذي يجعل المستخلص من البذور المحلية أسود اللون، عوض لونه الأشقر الذي يتحكم في السعر وضمان الجودة، علماً أن القنب الهندي المُعتمد على البذور المحلية يتم جنيه بعد أن ينضج في الحقل، قبل أن يتم تخزينه في مكان بارد ووضعه تحت أثقال عليه في إطار عملية تسمى “الترقاد”، تمهيداً لدقه، واستخراج غباره الذي يحتوي المركب الكيماوي المعروف برباعي “هيدرو كانابينول”، الذي يتسرب بسرعة إلى الجهاز العصبي، ويحدث حالة الانتشاء لدى المدمن. أما محصول القنب الهندي المستخرج من بذور خردالة أو الباكستانية فيتم جنيه قبل النضج حيث يجف في مكان رطب، وأوراقه لا تزال خضراء، ما يجنب المزارعين التقلبات المناخية، وأيضاً بعض الحملات التي تقوم بها السلطة والدرك والتي تداهم الحقول لإتلاف المحاصيل.








