الجميع يتذكر حملة أخنوش الانتخابية المنفوخة بوعود براقة، وشعارات تنطوي على نفس دعائي يتجاوز واقع البلد الذي يعرفه المغاربة.
رغم هذا، نجح الرجل في القفز على ما يحتفظ به الشارع في ذاكرته من مصير عدد من الوعود المشابهة.
الأحرار، ورئيسه أخنوش، ومن ورائه آلة دعائية ضخمة تتجاوز الوسائل التقليدية، سعى للترويج لنفسه على أنه “الحصان الرابح”، ورهان الدولة، وورقتها التالية، بعد أن تحول حزب الأصالة والمعاصرة إلى مجرد “مهمة” وانتهت، بغض النظر عن النتيجة والأداء.
حزب الأحرار حاول ما أمكن استثمار حالة التبرم الشعبي الواسع من حصيلة وأداء حزب العدالة والتنمية في ولايتين حكوميتين، بعد أن استنفذ الحزب ما لديه، وصارت بطاريته غير قادرة على تحمل ولاية ثالثة.
تمامًا كما صار مزاج الدولة، والوضع العام لا يسمح بالتمديد، لكن ما حدث بعد ذلك كشف أن الكلفة ستكون باهظة، وأن أخطاء وتهور واستفزاز حكومة رجال الأعمال للشارع قد تنفخ النار في زيت السخط الشعبي وسط انفلات الغلاء، وتوالي ملفات الفساد التي تقابل بمهاجمة مؤسسات الحكامة كما حدث مع هيئة الوقاية من الرشوة ورئيسها.
النتجية أن رئيس الحكومة صار يعول على الذباب الالكتروني لتلميع صورته وصوره حزبه، بعد أن صارت يده الحكومة ملطخة بوحل تضارب المصالح وتكريس الاحتكار والنفخ في نار الغلاء، واستباحة أموال المغاربة وتقديمها كهدايا لعدد من اللوبيات.
حكومة تنام فوق سرير الفساد
ملفات كـ”تذاكر المونديال” و”امتحان المحاماة” و”صفقة تحلية مياه البيضاء” تبقى عنوانًا واضحًا على تغول الفساد في عهد الحكومة الحالية.
فساد يُنظر إليه اليوم من طرف جمعيات مهتمة بحماية المال مثل وباء سريع الانتشار أفقيًا وعموديًا.
السبب واضح بعد أن صارت العادة هي دفن الملفات، والرهان على الوقت والذاكرة القصيرة، وأساسًا على توالي الفضائح بمنطق “وحدة تنسيك فالثانية” من أجل التهرب من المحاسبة.
الخطير أن الفساد الكبير الذي ينخر الاقتصاد، ويلتهم جزءًا مهمًا من الناتج الخام، ويحرم المغاربة من حقهم في تنمية صارت تمنح لهم من طرف الدولة كجرعات صدقة، قد عرف بدوره تضخمًا يفوق التضخم الذي يعاني منه اقتصاد البلاد.
أحدث شاهد على ذلك هو مؤشر مدركات الفساد لدى دول العالم لسنة 2023، والذي وضع المغرب في المرتبة 97 عالميًا من أصل 180 دولة تم رصدها، متراجعًا بثلاثة مراكز مقارنة بسنة 2022.
“مؤشر مدركات الفساد” يصدر بصفة سنوية من منظمة الشفافية الدولية، ويعنى بتتبع الفساد في مختلف الدول، والإجراءات التي تقوم بها الحكومات للتصدي له، لتحديد الدول الأكثر شفافية والأقل فسادًا.
سياسيون يعارضون سجن الفاسدين
اللافت أن الحكومات السابقة كانت تتصدى لمثل هذه التقارير، وتملأ الدنيا ضجيجًا، وتعتبرها تنقيصًا من مجهودها في محاربة الفساد.
لكن الحكومة الحالية تبدو متصالحة عن قناعة مع الفساد الكبير، ما دام وزير العدل عبد اللطيف وهبي قد بادر، وقبل أن “يسخن بلاصتو” على كرسي وزارة العدل لإعدام مشروع تجريم الإثراء غير المشروع. قرار سياسي يساءل أحزاب الأغلبية الحكومية ويؤكد ما ذهبت إليه الهيئة الوطنية للوقاية من الرشوة التي نبهت إلى كون السياسيين المغاربة يعارضون سجن الفاسدين بهدف خلق بيئة مجتمعية مطبعة مع الفساد ومتعايشة مع الأزمة.
الهيئة وقفت عند بعض المعطيات ذات الدلالة العميقة في التعامل مع ظاهرة الفساد من طرف مختلف الشرائح الاجتماعية، حيث تم الوقوف على مستويات انصهارها، كوسيلة تلجأ إليها شريحة واسعة من الأسر والمقاولات، وتعتبرها أسلوبًا لا مفر منه لحل المشاكل التي تعترضها.
وبخصوص تقييمها لآليات المساءلة وإعطاء الحساب، رصدت الهيئة العوائق التي تؤثر على نجاعة المفتشيات العامة بشكل خاص، في عدم تقييد سلطة الوزير المسؤول بإلزامية تحريك المسطرة التأديبية أو المتابعة القضائية، وعدم ضمان تلقائية تصديها لمختلف الاختلالات، وغياب التنصيص في نشر تقاريرها.
ذات الهيئة قدمت حزمة من التوصيات التي اعتبرها الساسة مجرد “كلام مقاهي” على حد تعبير وزير العدل عبد اللطيف وهبي، ومن ضمن هذه التوصيات الساعية لإغلاق الباب أمام نهب أموال المغاربة تجريم الإثراء غير المشروع، وضرورة ملائمة السياسة الجنائية مع متطلبات مكافحة الفساد، من خلال توسيع دائرة التجريم والأطراف، ومراجعة نظام العقوبات بما يعزز الأثر الردعي لها، وتعزيز نزاهة وشفافية الجهاز القضائي، وضمان فعاليته خاصة باعتماد قضاء متخصص يستجيب للمتغيرات المتعلقة بتنوع جرائم الفساد المالي، والعمل على سد الثغرات التي تؤدي إلى الإفلات من المتابعة والعقاب، وتقوية مساطر المقاضاة، خاصة على مستوى المصادرة والحجز والحماية القانونية والتعاون مع سلطات إنفاذ القانون.
كما أوصت بالنهوض بالحكامة العمومية، وتحجيم حالات تضارب المصالح ومظاهر الإثراء غير المشروع، وتحسن مقروئية مشروع القانون المالي، وترسيخ قواعد الشفافية والمنافسة في تدبير الصفقات العمومية والتدبير المفوض.
فاتورة بـ5000 مليار
من جهة أخرى فإن الوقائع والمؤشرات والهدايا التي جاء بها قانون المالية تؤكد أننا في حكومة تعبد الطريق لنهب المال العام، وتبديد ثروات هذا البلد، واحتكارها من طرف فئة قليلة تسعى بكل جهد للحفاظ على امتيازاتها بشتى الوسائل والطرق.
وضع يفسر لنا كيف أن الفساد لا يزال يلتهم 5 في المائة من الناتج الخام، ويحرم خزينة المغرب التي تغرق في المزيد من الديون والقروض من 5000 مليار سنتيم سنويًا.
هذا الرقم الفلكي يمكن أن يحل لنا الكثير من المشاكل المستفحلة التي تأزم حياة المغاربة، وترسم صورة قاتمة جد مقلقة عن ما هو آتٍ في ظل توالي المؤشرات السلبية، لكن الحكومة غير قادرة على مد يدها لوقف النزيف خوفًا من التيار الجارف للفساد، وتجنبًا لإغضاب بعض “اللوبيات” والحيتان الكبيرة التي تنشط من داخل الحكومة وخارجها ومن حولها.
حين كشف الحليمي المستور
اللافت أن رئيس الحكومة الذي لا يمكن له، انطلاقًا من حالة تضارب المصالح، أن يتوفر على الإرادة والشجاعة السياسية لحل ملفات الفساد المتراكمة، يسعى اليوم وفريقه الحكومي لإنعاش عدد من المؤسسات العمومية التي صارت عبارة عن ضيعات خاصة بملايير جديدة من المال العام.
يحدث ذلك عوض تفعيل المحاسبة والتدقيق في النزيف الذي تعرضت له، والذي صنع ثروات عدد من الأسماء والشركات التي ضلت ترضع بنهم من “المال السايب” قبل أن يجف الضرع.
مؤشر مدركات الفساد لدى دول العالم لسنة 2023، واضعًا المغرب في المرتبة 97 عالميًا من أصل 180 دولة تم رصدها، متراجعا بثلاثة مراكز مقارنة بسنة 2022.
سنتوقف قليلا عند ردود الفعل التي أعقبت تصريحات لأحمد لحليمي المندوب السامي للتخطيط السابق.
تصريحات جاءت مثل “سطل” ماء بارد على رأس أخنوش، بعد أن اتهم الحليمي الحكومة بالكذب بشأن هوية التضخم، وحقيقة الوضع الاقتصادي للبلاد في سياق صار فيه الوضع الاجتماعي مثل قنبلة منزوعة الفتيل.
الحكومة وبعد أن استغرقت وقتًا لبلع غصتها، أطلقت صغار الوزراء، ومعهم بعض الحرافيش الحزبيين، لينوبوا عنها في شيطنة لحليمي.
هذا التناقض بين معطيات المندوبية وتصريحات الوزراء ليس جديدًا، بل عشنا فصولًا ساخنة منه وصلت حد التشكيك في خلفيات وتقارير وأرقام المندوبية من طرف بعض الوزراء، ممن سبق وكشف المجلس الأعلى للحسابات أنهم يراكمون فشلاً تلو آخر، ويغطون على ذلك بالنفخ في إنجازات غير واقعية.
على رأس هؤلاء، طبعا، رئيس الحكومة السي أخنوش “لي بيعنا العجل” حين كان وزيرًا للفلاحة، من خلال مخططه الأخضر، قبل أن يخرج البنك الدولي ليؤكد أن عشرات الآلاف من الأسر المغربية صارت تعاني من سوء التغذية، في الوقت الذي تضاعفت فيه ثروات الفلاحيين الكبار والمصدرين.
اليوم نسمع انتقادات لاذعة للأداء الحكومي ليس من المعارضة طبعا، بل من قيادة الصف الأول للأغلبية الحكومية، ما يفيد بأن موسم الكذب قد انطلق مبكرًا وأن مسلسل الضرب والجرح بين الأغلبية الحكومية قد دشن حلقته الأولى.
لقد تعودنا أن يصبح الكذب السياسي حلالًا ومشروعًا لدى السياسيين مع اقتراب الانتخابات.
لكن مع هذه الحكومة، انطلق الكذب منذ لحظة تنصيبها ولا يزال مستمرًا على مدار الساعة.







