بينما ترتفع تكاليف العلاج في المغرب بشكل متسارع، تتزايد شكاوى “المغاربة” من هزالة التعويضات التي يمنحها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، الذي يبدو أنه غير مكترث بالواقع الجديد الذي يفرضه التضخم وغلاء الخدمات الصحية. ورغم أن الصندوق يجني مليارات الدراهم سنويا من الاشتراكات، فإنه يواصل تجميد التعريفة المرجعية الوطنية عند مستويات لم تعد تعكس أدنى مستويات التكلفة الحقيقية للعلاج، متجاهلا بذلك مطالب الأطباء والمرضى على حد سواء.
التعريفة المرجعية.. ورقة مجمدة منذ عقود
تعتبر التعريفة المرجعية الوطنية حجر الزاوية في نظام التعويضات الصحية، إذ إنها تُحدد المبلغ الأقصى الذي يمكن للمنخرطين استرجاعه عند تلقيهم العلاج. لكن هذه التعريفة لم تخضع لأي مراجعة جدية منذ سنة 2006، رغم أن القانون ينص على ضرورة تحديثها كل ثلاث سنوات لتتماشى مع التطورات الاقتصادية والصحية.
في المقابل، تضاعفت أسعار الخدمات الطبية، وقفزت تكاليف الاستشارات الجراحية والتحاليل المخبرية بشكل كبير، دون أن يواكب الضمان الاجتماعي هذه التحولات، ما جعل التعويضات تفقد أي معنى حقيقي. على سبيل المثال، ورغم أن كلفة الاستشارة الطبية في المصحات الخاصة قد تصل إلى 500 درهم أو أكثر، فإن التعويض الذي يمنحه الصندوق لا يتعدى 80 درهما، مما يجعل الانخراط في الضمان الاجتماعي بلا جدوى حقيقية في نظر كثير من المواطنين.
خالد أيت الطالب، وزير الصحة والحماية الاجتماعية السابق، كان قد اعترف في عام 2023 خلال رده على أسئلة البرلمانيين بمجلس النواب، بأن التعريفة الحالية لا تساهم في تمكين المصحات الخاصة من استرداد التكاليف الفعلية، مما يدفع هذه المصحات إلى فرض زيادات إضافية على المرضى. وأدى ذلك إلى مطالبة هذه المصحات بشيك ضمان قبل العلاج، وهو إجراء محظور قانونياً.
وحسب تصريحات الوزير حينها، كانت الوزارة تعمل على “إصلاح جوهري” لمراجعة التعريفة، حيث تم إدخال تعديلات كبيرة عليها. وأضاف الوزير أن المشروع الإصلاحي كان قد خرج من الأمانة العامة للحكومة وكان في مرحلة المصادقة من قبل الحكومة. وأكد أن هذه التعريفة الجديدة من شأنها أن تضع حداً لممارسات المصحات المخالفة، وستُسهم في إرساء علاقة أكثر شفافية بين المرضى والمصحات، من خلال تطبيق نظام معلوماتي دقيق وشفاف.
لكن، ورغم مرور أكثر من عامين على هذه التصريحات، لا يزال الوضع على حاله. المصحات الخاصة لا تزال تفرض زيادات غير مبررة على فواتير العلاج، في الوقت الذي يظل فيه المريض المغربي يدفع الثمن الأكبر.
طب الأسنان.. تعويضات هزيلة وأسعار لا ترحم
يعتبر طب الأسنان من أكثر المجالات التي تعكس هذا الخلل، حيث تحولت خدماته إلى رفاهية بالنسبة للكثير من المغاربة. فالأسعار ارتفعت بشكل غير مسبوق، إذ قد تتجاوز كلفة تركيب سن واحدة 5000 درهم، بينما تظل التعويضات التي يمنحها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي هزيلة جدًا ولا تغطي حتى 50% من التكلفة الفعلية.
طبيب أسنان بالقطاع الخاص، فضل عدم ذكر اسمه، وصف الأمر بقوله “ما يحصل عليه المنخرطون من تعويض عن علاجات الأسنان أقرب إلى الإهانة. تخيل أن الصندوق يعوض أقل من 3000 درهم عن طقم أسنان كامل، بينما التكلفة الحقيقية تتجاوز ضعف هذا الرقم. كيف يُطلب من المواطن أن يتحمل هذا الفارق الكبير؟ بل أكثر من ذلك أن خدمات أخرى تندرج في صميم العلاجات، يعتبرها الصندوق بمثابة خدمات تكميلية تجميلية ولا يصرف مقابلها أي تعويضات.
هذا الوضع يدفع العديد من المرضى إلى تأجيل علاجات الأسنان الضرورية، أو حتى اللجوء إلى حلول غير مهنية وغير آمنة، مثل تركيب الأسنان في عيادات غير مرخصة، وهو ما يشكل خطرا صحيا كبيرا.
علاج القلب والأمراض المزمنة.. فاتورة ثقيلة وتعويضات غير كافية
لا تقتصر الأزمة على طب الأسنان، بل تمتد إلى أمراض أكثر خطورة مثل القلب والسرطان والأمراض المزمنة، حيث يجد المرضى أنفسهم أمام نفقات ضخمة تفوق بكثير إمكانياتهم. طبيبة متخصصة في أمراض القلب أكدت لـ “نيشان” أن العديد من مرضاها يضطرون لتأجيل الفحوصات الضرورية أو التخلي عن بعض العلاجات بسبب تكلفتها المرتفعة، مضيفة “هناك مرضى يعانون من مشاكل في القلب لا يستطيعون تحمل كلفة تخطيط القلب أو الأشعة، فما بالك بالقسطرة أو العمليات الجراحية التي قد تصل إلى عشرات الآلاف من الدراهم”.
هذا الوضع أيضا، يضع المرضى أمام خيارين أحلاهما مر إما الاستدانة واللجوء إلى حلول مالية مرهقة، أو إهمال صحتهم وتأجيل العلاج إلى حين فوات الأوان. في الوقت ذاته، يواصل الصندوق الذي تترأس مجلسه الإداري “نادية فتاح علوي” وزيرة الاقتصاد والمالية، ترديد وعوده المتكررة بمراجعة التعريفة المرجعية دون أن يتحقق أي شيء على أرض الواقع.
صرامة في تحصيل الاشتراكات.. ولامبالاة في تحسين التعويضات
في مقابل هذا الوضع الصحي المأزوم، يبدي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي صرامة غير معهودة عندما يتعلق الأمر بتحصيل الاشتراكات. فرغم أن عددا كبيرا من المنخرطين يشتكون من سوء الخدمات، إلا أن الصندوق لا يتسامح إطلاقا مع أي تأخير في دفع المستحقات الشهرية، بل إنه قد يفرض غرامات على المقاولات والمهنيين في حالة التأخر.
أحد المنخرطين في النظام الاختياري للضمان الاجتماعي عبر عن سخطه قائلً “ندفع شهريًا ما يقارب 1000 درهم للصندوق، وعندما نحتاج للعلاج لا نحصل إلا على تعويضات رمزية لا تغطي حتى 20% من التكاليف. فهل يعقل أن يكون الضمان الاجتماعي عبئا إضافيا على المواطن بدل أن يكون ملاذا يحميه من أعباء المرض؟.
تعقيد المساطر الإدارية.. حاجز إضافي أمام التعويضات
إلى جانب هزالة التعويضات، يواجه المنخرطون عراقيل بيروقراطية معقدة عند محاولة استرجاع نفقاتهم العلاجية. فالإجراءات تطلب عدة وثائق، وتفرض على المرضى التنقل بين العيادات والصيدليات والإدارات المختلفة، مما يجعل البعض يتخلى عن المطالبة بحقه في التعويض بسبب طول وتعقيد المسطرة.
“أحيانًا يكون المبلغ الذي سأحصل عليه كتعويض أقل من تكلفة التنقل لجمع الوثائق المطلوبة”، يقول أحد المتضررين. “نظام التعويضات مصمم بحيث يجعل المرضى ييأسون من المطالبة بحقوقهم، فيستفيد الصندوق من هذه الوضعية على حسابنا”.
إلى متى سيستمر هذا الوضع؟
يبقى السؤال المطروح، هل سيظل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي متمسكًا بسياسة التعويضات الهزيلة وتجميد التعريفة المرجعية إلى أجل غير مسمى؟ أم أن الضغوط المتزايدة من الأطباء والمرضى ستجبره على التحرك لتحديث منظومة التعويضات بما يواكب الواقع الصحي والاقتصادي الجديد.
وفي غياب أي تحرك جدي من طرف الجهات الوصية، يبقى الملايين من المغاربة مجبرين على تحمل أعباء صحية ومالية متزايدة، وسط إحساس متزايد بأن الضمان الاجتماعي الذي من المفترض أن يحميهم من غدر المرض، بات مجرد مؤسسة أخرى تفرض عليهم مزيدًا من الالتزامات دون أن تقدم لهم ما يكفي من الحقوق.







