لازالت تداعيات تصريحات وزير العدل عبد اللطيف وهبي بخصوص “قسمه” بعدم تعديل المادة 3 من مشروع قانون المسطرة الجنائية، التي تتيح لجمعيات المجتمع المدني التقاضي في قضايا الفساد ونهب المال العام، تثير المزيد من الجدل في الأوساط الحقوقية والقانونية. فقد اعتبرت العديد من الهيئات أن هذا الموقف يعكس نكوصًا عن المكتسبات الحقوقية وحماية لدوائر الفساد داخل المؤسسات، مما دفع الجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب إلى إصدار بيان استنكاري شديد اللهجة، محذرة من تبعات هذا التوجه على مسار الديمقراطية ومكافحة الفساد في البلاد.
وأعرب المكتب التنفيذي للجمعية عن قلقه العميق مما وصفه بـ”الردة الحقوقية” التي تشهدها البلاد، معتبرًا أن هناك عودة إلى ممارسات تنتمي إلى زمن “سنوات الجمر والرصاص”، في ظل تزايد التضييق على الأصوات المنتقدة والرافضة لتغول لوبيات الفساد. كما شدد البيان على خطورة تفشي الغلاء والاحتكار الذي يفاقم الأوضاع المعيشية للمواطنين، محملًا الحكومة مسؤولية عدم قدرتها على ضبط الأسعار ووضع حد لتحكم “لوبيات معروفة” في الاقتصاد الوطني.
وفي سياق انتقاداته لتصريحات وزير العدل، أكد البيان أن رفض وهبي منح الجمعيات الحقوقية صلاحية التقاضي ضد المسؤولين، مقابل الإبقاء على الامتياز القضائي للمنتخبين، يمثل “ضربًا للحقوق المكتسبة” وتحصينًا لمافيا الفساد من المساءلة. كما طالبت الجمعية بسحب المادة 3 من مشروع القانون الجنائي، وضمان استقلالية النيابة العامة، وتجريم الإثراء غير المشروع، الذي جرى سحبه من المشروع في خطوة وصفت بـ”المتعمدة لتعطيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة”.
ولم يقتصر البيان على الشق القانوني، بل تطرق إلى قضايا أخرى مثل ضرورة فتح تحقيق نزيه حول أموال الدعم الممنوحة لاستيراد رؤوس الأغنام واللحوم، وتحديد مصير بحارة آسفي المختفين، فضلًا عن مطالبة الحكومة بوضع حد لاستنزاف الثروات الوطنية وتركيزها في يد فئة محددة. كما شددت الجمعية على ضرورة وقف استهداف الصحافيين والنشطاء الحقوقيين، والإفراج عن المعتقلين بسبب مواقفهم المناهضة للتطبيع.
واعتبرت الجمعية أن الوضع العام في المغرب ينذر بأزمة غير مسبوقة، مستشهدة بحادثة “رباط الخير”، التي رأت فيها مؤشرًا على احتقان اجتماعي قد يعيد للأذهان احتجاجات 20 فبراير، التي رفعت شعار مناهضة الفساد والاستبداد. وفي ظل استمرار هذه الأوضاع، حذرت الجمعية من أن تجاهل المطالب الاجتماعية والحقوقية قد يؤدي إلى تداعيات غير محسوبة، داعية إلى مراجعة جذرية للسياسات الحالية بما يضمن احترام الحقوق والحريات، والتصدي للفساد بمقاربة جادة بدل منح “حصانة قانونية” للمسؤولين.







