في الوقت الذي أصدر فيه عامل إقليم النواصر بالدار البيضاء قرارا حازما بشأن تنامي ظاهرة استعمال الدراجات ثلاثية العجلات في نقل الأشخاص والنفايات ومخلفات البناء، تشهد مدينة سلا المحاذية للعاصمة الرباط انتشارا متزايدا لهذه الظاهرة، التي أصبحت جزءا من المشهد اليومي في العديد من أحيائها، وعلى مرأى ومسمع من السلطات التي تغض الطرف عن هذه الممارسات، رغم خطورتها وخرقها الصريح للقانون.
وعلى امتداد أحياء العيايدة وعامر الجنوبية، حيث الكثافة السكانية العالية والأوضاع الهشة، يجد المواطنون أنفسهم مضطرين لاستخدام “التريبورتورات” كوسيلة نقل بديلة، في ظل غياب شبه تام للحافلات وسيارات الأجرة، خاصة في “عامر الجنوبية” حيث تتواجد عدة اقامات للسكن الاجتماعي. وفي شارع ابن الهيثم على سبيل المثال، تتحول هذه الدراجات إلى عربات لنقل الركاب، وسط حركة مرور فوضوية تهدد سلامة المواطنين، فيما تواصل الجهات المسؤولة سياسة الصمت والتجاهل.
وكانت وزارة التجهيز والنقل واللوجستيك قد قررت، منذ سنة 2019، منع نقل الأشخاص عبر الدراجات ثلاثية العجلات بشكل نهائي، نظرا لما تشكله من خطر على الركاب ومستعملي الطريق. ووفقًا للقانون 116-14، فإن مجال عمل هذه الدراجات يقتصر على نقل البضائع، ويمنع تمامًا استخدامها لنقل الأشخاص. كما حدد القانون عقوبات صارمة في حق المخالفين، تشمل غرامات مالية كبيرة تتراوح بين 10,000 و20,000 درهم، مع سحب رخصة السياقة لثلاثة أشهر، وحجز الدراجة لمدة 15 يومًا، وقد تصل العقوبة إلى الحبس لمدة ستة أشهر.
ورغم وضوح القانون، إلا أن مظاهر الفوضى ما تزال تطبع أزقة وشوارع سلا، حيث يتجول سائقو “التريبورتورات” بسرعة مفرطة ودون احترام لقواعد السير، ما يزيد من مخاطر وقوع الحوادث. هذا الوضع يعكس فشل السلطات في توفير نقل عمومي يحفظ كرامة المواطنين، خاصة في مدينة سلا التي تعاني من ضعف البنية التحتية للنقل.
وفي هذا السياق، انتقدت فعاليات حقوقية وجمعوية ما وصفته بـ”عجز السلطات عن تطبيق القانون بشكل صارم”، مشيرة إلى أن استمرار هذه الظاهرة يعكس غياب رؤية واضحة لتدبير قطاع النقل العمومي. وقال أحد الناشطين الجمعويين في سلا: “نحن أمام وضع كارثي يعكس هشاشة تدبير الشأن المحلي، فكيف يعقل أن نجد أحياء بأكملها محرومة من وسائل النقل النظامية، بينما تُترك التريبورتورات تعبث بأرواح الناس؟”.
بدورها، حذرت جمعيات حقوقية من المخاطر المحدقة بالمواطنين، مشددة على أن “تجاهل السلطات لهذه الفوضى لا يفسر إلا بوجود مصالح خفية أو تواطؤ غير معلن”، مؤكدة أن “عدم التحرك الجدي لمواجهة الظاهرة يزيد من الاحتقان الاجتماعي ويهدد سلامة السكان”. ولفتت إلى أن “سائقو هذه الدراجات لا يتوفرون غالبًا على تأمين أو تراخيص قانونية، مما يجعل الضحايا في حال وقوع حوادث عرضة للضياع دون أي ضمانات قانونية لحماية حقوقهم”.
ويتزامن هذا المشهد العبثي مع استعداد المملكة لتنظيم كأس إفريقيا 2025 وكأس العالم 2030، حيث ستتجه أنظار العالم إلى المدن المغربية، بما فيها الرباط وسلا. في سياق ذلك، تساءلت المصادر، حول ما اذا كان بمقدور السلطات والجهات الوصية ممثلة في ولاية جهة الرباط سلا القنطيرة، أن تروج لصورة مدينة حديثة ومتطورة، في وقت لا تزال فيه الدراجات ثلاثية العجلات تهيمن على النقل الحضري، في انتهاك صارخ للقانون.
واعتبرت المصادر ذاتها، أن استمرار هذه الظاهرة لا يعكس فقط عجز السلطات المحلية عن فرض النظام، بل يهدد أيضًا سمعة المغرب كدولة تسعى لترسيخ موقعها كوجهة رياضية وسياحية عالمية. وإذا كان عامل النواصر قد بادر إلى اتخاذ قرارات حاسمة لوقف هذه الفوضى، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: متى تتحرك سلطات سلا والرباط لإنهاء هذه الفوضى التي تهدد سلامة المواطنين وتشوه صورة البلاد، تتساءل المصادر.







