في الوقت الذي خرج فيه وزير الفلاحة أحمد البواري، المحسوب على حزب رئيس الحكومة عزيز أخنوش، مدافعًا عن “مخطط المغرب الأخضر”، وهو موقف لم يكن مفاجئًا بالنظر إلى انتماء الوزير السياسي وكونه أحد رجالات أخنوش حينما كان هذا الأخير يتولى حقيبة الفلاحة، جاءت المعطيات القادمة من كازاخستان لتسائل – من جديد – نجاعة هذا المخطط الذي رُوّج له طويلًا على أنه رافعة لتحقيق “السيادة الغذائية”.
فبعد استيراد شحنات ضخمة من القمح من كل من فرنسا، وروسيا، وكندا، وأوكرانيا، دخلت كازاخستان هي الأخرى على خط “إطعام المغاربة”، مع إعلان شركتها الوطنية لتسويق المنتجات الزراعية “فود كوربوريشن” عن إبرام اتفاق لتزويد المغرب بأكثر من 200 ألف طن من القمح، مع توقعات بأن يرتفع هذا الرقم إلى 300 ألف طن قبل نهاية الموسم.
وفي حديثه على إحدى الإذاعات الخاصة أول أمس الجمعة، أنكر البواري ما وصفه بـ”الأساطير السياسية” التي تتهم الفلاحة الوطنية باستنزاف المياه، معتبرًا أن الفلاحة التصديرية لا تستهلك سوى 5% من الرصيد المائي الوطني، ومساحتها لا تتعدى 1% من المساحة الفلاحية الإجمالية. بل ذهب الوزير إلى القول إن “المغرب لا يصدّر الماء، بل يستورده”، مضيفًا أن البلاد تستورد عبر المنتجات الفلاحية ما يعادل 9 مليارات متر مكعب من الماء سنويًا، في مقابل تصدير نصف مليار فقط.
أرقام على الورق… لكن من يُطعم المغاربة؟
رغم هذه الأرقام، لم يُجب الوزير عن جوهر السؤال، إذا كانت الفلاحة الوطنية – كما يقول – لا تُفرط في الموارد ولا تضر بالأمن المائي، فأين الخلل الذي يجعل المغرب مضطرًا إلى استيراد عشرات الملايين من القنطار من القمح سنويًا؟ لماذا لم يفلح “مخطط أخضر” استمر في استنزاف الموارد المالية لأكثر من عقد ونصف في ضمان الحد الأدنى من الاكتفاء الذاتي في أهم مادة غذائية؟
مصادر مهنية مطلعة تحدثت لـ”نيشان ” ترى أن الحكومة – عوضًا عن الإجابة عن هذه الأسئلة الجوهرية – تلجأ إلى تسويغ الفشل بالاعتماد على معطيات تقنية لا تُغير من واقع أن المغرب فقد السيطرة على مفاتيح أمنه الغذائي. وتضيف ذات المصادر أن الاستمرار في دعم الزراعات التصديرية على حساب الزراعات الأساسية يجعل البلاد أكثر هشاشة في وجه الأزمات المناخية أو الاضطرابات في الأسواق العالمية.
“الفلاحة ضحية، وليست مسؤولة”… ولكن من المسؤول؟
في دفاعه، قال الوزير بالحرف: “الفلاحة هي ضحية الجفاف، ماشي سبابو”. لكن السؤال الذي تطرحه المصادر، هو أليس من مسؤولية الحكومة ومخططاتها أن تقي الفلاحة من التحول الى “الضحية”؟ أليست السياسات المتبعة هي التي عرّت الفلاحين الصغار وجعلتهم رهينة مواسم المطر؟ أليس نفس المخطط الذي وُصف في بدايته بأنه “ثورة خضراء” هو من فشل في تعبئة الموارد وتحقيق التوازن بين التصدير والتغذية الوطنية؟
والأكثر من ذلك، فإن الوزير نفسُه أقرّ بأن “الري التكميلي” الذي قد يُنقذ 30% من محاصيل الحبوب لم يتم تعميمه بعد، وعلّل ذلك بـ”ضعف الاستثمارات في الماء”، بل ذهب إلى حد القول إن “الدار البيضاء تشرب من سد الفلاحة بدل أن يذهب الماء إلى سقي دكالة”، في تبرير يعكس أزمة تخطيط أكثر من كونه اعترافًا بشح الموارد.
بين خطاب التبرير وأرقام الاستيراد
لعل ما لم يقله الوزير، هو أن استيراد القمح من كازاخستان، وهو بلد يبعد آلاف الكيلومترات، يكشف هشاشة بنيوية تتجاوز منطق الجفاف. فالدول التي تعاني بدورها من تحديات مناخية، مثل كازاخستان، أصبحت تُطعم المغاربة، في وقت وُعد فيه المواطن بأن المغرب سيُصبح “قطبًا فلاحيا إقليميًا”.
وعلى الأرض، تظل الأسواق اليومية المشتعلة، والأسعار المرتفعة، هي الحقيقة اليومية التي تُكذّب بلاغات الحكومة وتُعري “النجاحات الرقمية” لمخطط المغرب الأخضر، والذي يبدو اليوم أكثر خُضرة في العروض التقديمية منه في حقول سيدي بنور وزاكورة وقلعة السراغنة.
عشرية “اللون الواحد” في وزارة الفلاحة
منذ إطلاق “مخطط المغرب الأخضر” سنة 2008، ظلت وزارة الفلاحة واحدة من أكثر القطاعات الحكومية التي حافظت على استقرارها الشكلي، لكن بقبضة حديدية سياسية؛ فالحقيبة لم تفلت يوماً من يد حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي تولى قيادته عزيز أخنوش لسنوات طويلة، قبل أن يصبح رئيساً للحكومة.
هذا الثبات السياسي لم يُترجم إلى نتائج ملموسة في مؤشرات السيادة الغذائية، بل بالعكس، تزايدت مع الوقت الانتقادات التي طالت المخطط من قِبل خبراء ومؤسسات وطنية، ناهيك عن تقارير المجلس الأعلى للحسابات التي لامست أعطاب التوزيع غير العادل للاستثمارات، وغياب العدالة المجالية، وتفضيل كبار الفلاحين على حساب صغارهم.
وبينما ظلت حقائب وزارية أخرى تتغير بألوان التحالفات، تحولت وزارة الفلاحة إلى مجال محفوظ لرجالات أخنوش، في ظل غياب التداول الحزبي الذي يشكل أحد أسس الديمقراطية والمحاسبة. هذه “الخصوصية” جعلت الوزارة تبدو، بنظر مراقبين، وكأنها تعمل خارج الزمن السياسي العادي، مع انعدام الشفافية في ملفات حساسة كالتوريد والتصدير والدعم الفلاحي، وغياب التقييم العمومي للمخططات المتعاقبة.
اليوم، وأمام واقع الاستيراد المتصاعد للحبوب، والانحباس المطري، وتزايد الفجوة الغذائية، تُطرح أسئلة عميقة عن مدى صلاحية النموذج الفلاحي الحالي، وعن جدوى استمرار وزارة تُسيّر من قبل جهة واحدة، دون أن تمر، منذ سنوات، بمرحلة محاسبة أو تقييم مستقل.







