بعد أشهر من التهدئة الحذرة، يعود ملف طلبة كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان إلى واجهة التوتر، مع تنامي مؤشرات الإحباط داخل الكليات، وسط اتهامات صريحة للحكومة بعدم الوفاء بالتزاماتها المنصوص عليها في محضر التسوية الموقع في شتنبر الماضي، برعاية مؤسسة وسيط المملكة.
وفي رسالة مفتوحة موجهة إلى “عزالدين الميداوي” وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، دقت اللجنة الوطنية لطلبة الطب ناقوس الخطر، محذرة من أن استمرار “المماطلة” في تنزيل مخرجات الاتفاق قد يدفع الطلبة إلى إعلان فشل التسوية والعودة إلى التصعيد، في مشهد يهدد مجدداً السلم الجامعي ويعيد إلى الأذهان أزمة السنة الجامعية الماضية.
وقالت مصادر طلابية لـ”نيشان” إن الطلبة، رغم التزامهم بنهج المسؤولية والتريث، يشعرون بأنهم يتعرضون لـ”إشراك صوري” في تدبير الملفات العالقة، معربين عن تخوفهم من حسم انفرادي في قضايا مصيرية، على رأسها مصير دفعة 2023/2024، التي لا تزال عالقة بين دفتر ضوابط بيداغوجية قديم فقد صلاحيته، ونظام جديد يكتنفه الغموض.
وأكدت المصادر ذاتها أن الغموض الحاصل بشأن تحديد الضوابط البيداغوجية، يهدد الطلبة بدخول حالة “تيه أكاديمي”، تتأرجح بين نظام سبع سنوات المعتمد دوليًا والذي يضمن تكوينًا طبيًا جادًا، وتجربة جديدة “متعثرة”، تفتقر إلى أسس علمية واضحة أو نتائج عملية مثبتة.
كما شددت مصادر من داخل تنسيقيات الطلبة على رفضهم القاطع لتخفيض عتبة الولوج إلى الكليات الطبية، معتبرين أن هذا القرار، الذي وصفوه بـ”غير المبرر”، لم تظهر له أي آثار إيجابية ملموسة سواء على جودة التكوين أو على المردودية الجامعية.
وأوضحت مصادر طلابية أخرى أن الأزمة لا تتعلق فقط بتقاعس إداري عن تنفيذ التزامات مالية أو بيداغوجية، بل بتقويض عميق لثقة الطلبة في المؤسسات الرسمية، مما ينذر، حسب تعبيرهم، بتداعيات خطيرة على مستوى السلم الجامعي وعلى مستقبل التكوين الصحي برمته.
وأشارت المصادر إلى أن دفعات كاملة تجد نفسها اليوم وسط حالة ضبابية خانقة، بسبب غياب دفاتر ضوابط رسمية، وطرح نظم تكوين جديدة “مبهمة”، وقرارات “اتخذت بطريقة أحادية” دون إشراك فعلي للمعنيين.
في سياق متصل، أفادت مصادر مطلعة لـ “نيشان”، بأن الحكومة لم تستوعب الإشارات المبكرة التي دعت إلى تفكيك الأزمة قبل أن تتوسع رقعتها، معتبرة أن منظومة التكوين الطبي، التي كان من المفترض أن تشكل ركيزة لإصلاح الصحة العمومية، أصبحت رهينة “حسابات بيروقراطية ومناورات سياسية” أضرت بالمناخ الجامعي وبمصداقية الحوار المؤسساتي.
وفي نظر هذه المصادر، فإن ملف طلبة الطب تجاوز طبيعته المطلبية الصرفة، وتحول إلى اختبار لمدى التزام الحكومة بمبدإ احترام الاتفاقات الرسمية، لا سيما أن المحضر الذي أُبرم بين الأطراف وقع تحت إشراف مؤسسة دستورية ذات مكانة اعتبارية هي وسيط المملكة، مما يجعل الإخلال به مسألة ذات أبعاد مؤسساتية تتجاوز الإطار الأكاديمي.
كما سجلت المصادر نفسها أن تجاهل الحكومة لبعض الالتزامات، حتى تلك ذات الطابع الرمزي كزيادة تعويضات الطلبة الخارجيين، يبعث برسائل سلبية، تختصرها المفارقة التالية “كيف لحكومة ترفع شعار إنجاح ورش ملكي ضخم لإصلاح المنظومة الصحية، أن تعجز عن معالجة ملفات تقنية صغيرة تهدد السلم الجامعي في قطاع حيوي كقطاع الطب؟”.
واليوم، تجد الحكومة نفسها، وفق قراءات متطابقة لمصادر طلابية ومطلعة، أمام مفترق طرق حقيقي: فإما أن تبادر بشكل عاجل إلى استعادة الثقة عبر تنزيل فوري وشفاف لكافة بنود الاتفاق، أو أن تواجه تداعيات أزمة جديدة قد تمتد شظاياها إلى الشارع، وتفتح الباب أمام موجة احتقان اجتماعي أوسع يصعب احتواؤها، خاصة في ظل هشاشة المشهدين الاقتصادي والاجتماعي.
وفي خلاصة الوضع، ترى المصادر أن معركة طلبة الطب لم تعد مجرد صراع على دفاتر بيداغوجية أو تعويضات مالية، بل تحولت إلى معركة حول منسوب الثقة بين الشباب ومؤسسات الدولة، وهي معركة، إن خسرتها الحكومة، ستكون تداعياتها أوسع من أسوار الكليات، مهددة بمضاعفات تمس مستقبل التكوين الصحي وكل مشروع إصلاح القطاع.







