السرعة التي استبدل بها حزب التجمع الوطني للأحرار شعار “تستاهلو حسن” بـ “لي معاه عجبو الحال… يخوي لبلاد” دليل آخر على أن بعض منتسبي حزب “المازوط” بحاجة إلى إعادة تربية ليتعلموا احترام المغاربة الذين صنعوا من بعض النكرات شخصيات، وجعلوا من المطلوب الأول في حملة المقاطعة رئيساً للحكومة.
لقد سبق لأخنوش أن توعّد بإعادة تربيتنا جميعاً، لكن الواقع أن من يحتاج لإعادة التربية هم أعضاء حزبه الذين يعيشون حالة فصام خطير جعلتهم يتمادون في استفزاز شعب بأكمله بتصريحات تؤكد أن السياسة في هذا البلد ماتت وتعفّنت دون دفن أو عزاء.
مخطئ من يعتقد أن الكلام الخطير الذي صدر عن بعض فراخ الحمامة فلتة لسان… بل هو ترجمة صريحة وسليمة للعقلية التي يفكر بها كبار الحزب، الذين ينظرون إلينا كشعب “حرامي” و”ناكر للجميل”، ما دام أخنوش قد حقق معجزات سيذكرها التاريخ… في حين نُفرّط نحن في الشكوى ونتهم الرجل بأنه سبب كل مصائبنا.
لن نتحدث عن أسعار المحروقات طبعاً، لأن المغاربة يسمعون بأن رئيس حكومتهم هو أكبر بائع للمازوط ووقود الطائرات، ويعاينون كيف أن أسعار البترول في العالم تتجه للنزول، لكن أسعارها بالمغرب لها كرامة تجعلها ترفض ذلك… وتواصل الصعود.
لن نتحدث عن المحروقات ما دام الحديث عنها قد كلّف الكراوي، رئيس مجلس المنافسة، منصبه، وجعل وزير الحكامة السابق كمن يُصارع طواحين الهواء… كما جعل 1700 مليار سنتيم من الأرباح التي تحدّث عنها تقرير المهمة الاستطلاعية مجرد حكاية ترويها “لعكايز للصبيان”.
كل هذا يكشف أن أخنوش يملك فعلاً عصا سحرية، لكنه يحتفظ بها للأوقات الصعبة، ليخرج بها أرانب على شكل ملايير من قبعة أزماتنا…وسط تصفيق أعضاء حزبه.
عصا سحرية نكتشف مفعولها الأسطوري حين يحاول بعض الفضوليين أن يلاحقوا مصدر ثروة الرجل التي تتمدّد مثل بحيرة بدون ضفاف، هذا في الوقت الذي صار فيه عموم المغاربة عبيداً للديون والفوائد البنكية و”الهم” والغلاء… بل وصاروا مطالبين فوق ذلك بمغادرة البلاد.
هذه العصا السحرية هي التي جعلت بنكيران يحرّر قطاع المحروقات موهماً المغاربة بأنه قدّم لهم خدمة العمر.
كما جعلت وزير الحكامة الداودي يرمي بقرار تسقيف أسعار المحروقات في مكبّ النفايات بعد بهدلته من طرف تجمع النفطيين.
كما جعلت رئيس المهمة الاستطلاعية مثل “المجذوب” بعد كل الملايير التي سالت من تقريره، والتي مصدرها طبعاً جيوب المغاربة.
ذات العصا السحرية هي التي جعلت أعضاء مجلس المنافسة يستيقظون في الصباح الباكر.. ليوجّهوا تهماً خطيرة لرئيسهم السابق.
العصا السحرية التي يملكها أخنوش، رغم إنكاره لذلك، هي التي جعلته يتحول دون أن يعلم المغاربة سرّ ذلك… من المطلوب الأول في حملة المقاطعة… إلى رئيس حكومة يبيعنا القرد، ويترك الطالبي العلمي ليضحك على من اشتراه…
ذات العصا حالت دون اعتماد قانون لتجريم الإشهار الكاذب بالمغرب، الذي كان سيضع حكومة أخنوش في قفص الاتهام بفعل ترويجها لعدد من “الإنجازات”، و”المعجزات”، التي تدّعي أنها تحققت كحصيلة خلال نصف ولايتها، دون أن يلمس لها المغاربة أثراً يُذكر… باستثناء مفعول العصا السحرية.
حصيلة صار معها ملايين المغاربة ضحايا لمؤشر صنعته الحكومة بكثير من الخبث، بعد أن جعل من امتلاك هاتف، وثلاجة، وإنترنت… ترفاً لا يستحق صاحبه الحصول على 500 درهم شهرياً…
500 التي سيتم انتزاعها منا جميعاً بعد الزيادة في سعر البوطا.
مؤشر حمل تعريفاً غبياً للفقر…
مؤشر صار يهدد بتفقير المغاربة… كما كشف أن الدعم المالي المباشر صار أكبر “قالب” في تاريخ الحكومات بالمغرب، بعد أن تعاملت الحكومة بمنطق “من لحيتو لقم ليه”…
معجزات حكومة أخنوش صارت نكتة لدى الرأي العام، بعد أن بالغ رئيس الحكومة، في إطلاق فقاعة تلو الأخرى، وذلك ليخفي حقيقة أننا نكرّس في الواقع تبعيتنا لتعليمات البنك الدولي، ووضعنا القديم كمجرد حلقة في الدورة الاقتصادية للمستعمر السابق.
رصيد هذه الحكومة الفعلي هو استمرار للانتظارية المتفاقمة التي تسود المجتمع، وتعاظم لحالة الانحباس السياسي التي لا ندري إلى أين ستقودنا… بعد أن وصل منسوب الثقة في الفعل السياسي، والنقابي، بل وفي الخطاب الرسمي ومؤسسات الدولة إلى ما دون الحضيض.
اليوم دخل المغرب مع هذه الحكومة في النسخة الثانية من التقويم الهيكلي، وصار البنك الدولي هو من يقول “الشّا” و”الرّا” لحمار الحكومة التي صار بردعها مثقلاً بالديون الخارجية.
حقيقة كشفت أن البلد يعاني من أزمة بأكثر من رأس وعنوان.
أزمة لا شك أنها ستتعاظم بعد أن غرقنا في المزيد من الديون، وتفاقم الغلاء، وصارت الحكومة تجتهد أكثر فأكثر في تنفيذ تعليمات البنك الدولي، وإرغام المغاربة على تحمّل عبء تغذية الميزانية، ووزر إنقاذ المؤسسات المفلسة بفعل الفساد وسوء التسيير، مع مواصلتها العفو عن مهربي الأموال وتكريس الامتيازات والريع والاحتكار، تماماً كما يفعل السي أخنوش… الذي يجد من يصفق له ويكيل له المديح كما فعلت ممثلة وجدت في السياسة و في المقعد البرلماني ريعا مريحا.
مع ذلك… لا نملك إلا أن نتفاءل بأن يعود من يهمهم الأمر، ومن يدبّرون شؤون هذا البلد إلى وعيهم، وأن يتحلّوا بـ”جرعة عالية من الوطنية”، وأن ينتبهوا جيداً لأن صبر الناس قد نفذ، وأن الوقت قد حان لكي تطير الحمامة.. أو أن يتم إعادة تربيتها…







