في وقت تبشر فيه الحكومة بنجاح “إصلاحاتها الكبرى”، جاءت الأرقام الصادرة عن الخزينة العامة للمملكة لتفضح واقعاً مغايراً. عجزٌ في الميزانية بلغ 11,7 مليار درهم مع نهاية أبريل 2025، مقارنة بـ1,2 مليار فقط قبل سنة، يضع حكومة عزيز أخنوش في قلب عاصفة من الانتقادات، ويطرح أسئلة حارقة حول نجاعة سياساتها المالية والاجتماعية.
الارتفاع الحاد في العجز المالي، رغم انتعاش مداخيل الدولة الجبائية، يعكس، حسب عدد من المختصين، فشلاً ذريعاً في ضبط النفقات وترشيد المالية العمومية، بل وأكثر من ذلك، يكشف محدودية الرؤية الحكومية، التي يبدو أنها باتت تعتمد على “الحل الأسهل”: التضريب والرفع التدريجي للدعم، دون معالجة حقيقية لجذور الاختلالات.
تضريب متصاعد… والمواطن يدفع الثمن
بحسب معطيات الخزينة، ارتفعت المداخيل العادية إلى 144,1 مليار درهم (+19%)، نتيجة ارتفاع الضرائب المباشرة بنسبة 35,5%، والضرائب غير المباشرة بـ12,1%. لكن هذا الارتفاع الذي تسوقه الحكومة كنجاح في تعبئة الموارد، يخفي وجهاً آخر من المعاناة الاجتماعية.
يقول الخبير الاقتصادي محمد الرهطوط في تصريح لـ “نيشان” “ما يحدث ليس تعبئة ذكية للموارد، بل نهج متواصل للتضريب المفرط على الطبقة المتوسطة والمقاولات الصغيرة، في غياب أي تصور ضريبي عادل يراعي التفاوتات الاجتماعية. إنها حكومة لا تبحث عن خلق الثروة، بل عن اقتناصها”.
اللافت، أن هذا التحصيل الضريبي الكبير لم يُترجم إلى إنعاش اجتماعي أو تحسين للخدمات العمومية، بل تزامن مع تراجع في الدعم الموجه للمواد الأساسية، وسط صمت رسمي وغياب تواصل حكومي واضح حول استراتيجية رفع الدعم.
رفع الدعم… سياسة باردة بكلفة اجتماعية
حتى متم أبريل 2025، لم تسجل الخزينة أي نفقات تحت بند المقاصة، في مفارقة صادمة، خاصة أن هذه الفترة تميزت بارتفاع أسعار البوتان والنقل والمواد الأساسية. ويأتي هذا في سياق ما تسميه “الإصلاح التدريجي لمنظومة الدعم”، من خلال دعم مباشر للفئات الهشة، لكن بشكل مرتجل أبان عن قصور كبير، و دون آليات تنفيذ فعالة.
وفي اتصال هاتفي مع مسؤول سابق بوزارة الشؤون العامة والحكامة التي جرى التخلي عنها في التشكيلة الحكومية الجديدة، أكد أن “ما تقوم به حكومة أخنوش هو تفكيك صامت لصندوق المقاصة، بدون توفير بدائل حقيقية أو خلق شبكة أمان اجتماعي متماسكة”.
وتساءل المصدر الذي طلب عدم الكشف عن هويته “كيف لحكومة أن ترفع الدعم عن البوطا، وتزيد الضرائب، وترفع النفقات العادية، وتُفشل الحوار الاجتماعي، ثم تزعم أنها تنفذ نموذجاً تنموياً جديداً؟ إنه نموذج لم يُولد بعد، أو وُلد مشوها”.
إنفاق بلا أفق… واستثمارات متباطئة
بلغت النفقات العامة 195,5 مليار درهم (+24,7%)، بينها زيادة بـ30,3% في نفقات التسيير. في المقابل، لم تتجاوز نفقات الاستثمار زيادة بـ17,6%، ما يبرز اختلالاً بنيوياً في أولويات الإنفاق، حيث تذهب معظم الموارد إلى الاستهلاك الإداري، بدل دعم دينامية اقتصادية حقيقية.
ويعلق الرهطوط على هذا الوضع بقوله: “الإنفاق العمومي في عهد أخنوش اتسم بالعشوائية وعدم الاتساق. نحن أمام حكومة توسع نفقاتها وتقلص دعمها وترهق المواطن بالضرائب. هذه ليست سياسة اقتصادية، بل وصفة مضمونة لتعميق الفوارق وتعجيل الانفجار الاجتماعي”.
حكومة بلا بوصلة؟
بعد ثلاث سنوات من تشكيلها، لم تقدم حكومة عزيز أخنوش نموذجاً اقتصادياً بديلاً يقنع الشارع أو يطمئن الأسواق. تعثر في تنزيل الأوراش الكبرى، تخبط في التفاعل مع الغلاء، وتواصل فجّ في التعاطي مع انتظارات المواطنين.
وفي البرلمان، تزداد الانتقادات من نواب المعارضة الذين يتجهون لتقديم “ملتمس الرقابة”، وحتى من داخل الأغلبية، بينما يشتد الغضب الشعبي، في ظل ارتفاع أسعار المعيشة، وتراجع الخدمات العمومية، وغياب أي خطاب يشرح للمغاربة إلى أين تمضي البلاد.
اقتصاد على حافة الهاوية
إذا كانت الحكومة تعتبر ارتفاع المداخيل الضريبية مؤشراً إيجابياً، فإن الواقع يكشف غير ذلك اقتصاد منهك، طبقة متوسطة في طريقها للاضمحلال، وتراج كبير في الثقة والشعبية. ومع كل هذه المؤشرات، تؤكد المصادر أن الطريق نحو الإصلاح الحقيقي لا يزال طويلاً، ما لم تراجع الحكومة خياراتها وتضع الإنسان في صلب سياساتها، لا في هامش حساباتها.







