لم يكن فشل تقديم ملتمس الرقابة ضد حكومة الملياردير عزيز أخنوش حدثًا عابرًا أو مجرد تعثر تنظيمي كما رُوِّج له في بعض الأوساط، بل يُعدّ في جوهره عنوانًا صارخًا لأزمة عميقة تتخبط فيها المعارضة المغربية، التي فقدت قدرتها على التأثير السياسي وتحوّلت إلى كتل متشرذمة، لا رابط بينها سوى اختلافها مع الحكومة، من دون مشروع موحد أو أفق استراتيجي جامع.
في سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، لم تكن المعارضة مجرد رقم تكميلي في معادلة الحكم، بل كانت قوة مجتمعية ونخبوية حقيقية، تصوغ الرأي العام وتؤثر في القرار السياسي حتى من موقعها خارج الحكومة. كانت آنذاك حاملةً لمشروع مجتمعي شامل، تقوده أسماء من العيار الثقيل، تركت بصماتها في التاريخ السياسي المغربي.
من علي يعته، زعيم حزب التقدم والاشتراكية، الذي خاض معركة الدفاع عن الحريات السياسية في أحلك فترات القمع، إلى المحامي محمد بوستة، رجل الاتزان والحنكة في حزب الاستقلال، الذي جسّد بامتياز معارضة وطنية مسؤولة، لا تخضع لحسابات ظرفية، بل تنطلق من مشروع فكري متكامل.
وطبعا عبد الرحيم بوعبيد، زعيم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي رفض المساس بالمبادئ، ودفع ثمن مواقفه الجريئة ضد الاستفتاء في الصحراء سنة 1981، بالسجن والرقابة. ومعه قامات مثل محمد بنسعيد آيت يدر، المناضل اليساري الذي ظل وفيًا لقناعاته، وكان أول من أثار قضية معتقل تازمامارت من داخل قبة البرلمان.
كانت المعارضة آنذاك تملك “الهيبة السياسية” و”الوزن الأخلاقي”، بما يكفي لإرباك حسابات الدولة، خصوصًا في لحظات التوتر الاجتماعي والسياسي. لم تكن معارضة مقاعد، بل معارضة مواقف، تكتب التاريخ بمداد التضحيات.
أما اليوم، فإن ما يُسمى تجاوزًا بـ”المعارضة”، لم تنجح حتى في الاتفاق على آلية دستورية واضحة مثل ملتمس الرقابة، في وقت يتصاعد فيه الغضب الشعبي من غلاء الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، وتتزايد فيه الأصوات المطالبة بالمحاسبة.
“إجهاض” لا “فشل”.. من المسؤول؟
ما حدث ليس مجرد فشل في التنسيق، بل هو “إجهاض سياسي مكتمل الأركان”، كما وصفه عبد الله بوانو، أحد أبرز وجوه حزب العدالة والتنمية. انسحاب الفريق الاشتراكي في اللحظات الأخيرة، وتخبط المعارضة في ترتيب أولوياتها، كشفا عن مدى الهشاشة التنظيمية والتفكك الاستراتيجي الذي يطبع صفوفها.
التصريحات الصادرة عن قادة “البيجيدي” في ندوة أمس – من بنكيران إلى الأزمي وبوانو – أجمعت على نقطة محورية: المعارضة اليوم تُدار بمنطق الغنيمة والمواقف الظرفية، لا بمنطق الجبهة السياسية الموحدة القادرة على مواجهة تغوّل الحكومة.
ولم تتأخر الأحزاب الأخرى في التعبير عن خيبتها؛ فحزب التقدم والاشتراكية عبّر بوضوح عن أسفه لكون “الشكليات طغت على جوهر المبادرة، وتم تفويت لحظة تاريخية”. في المقابل، ظل الاتحاد الاشتراكي صامتًا إزاء كل هذه الاتهامات، مكتفيًا ببلاغ غامض عمّق منسوب الريبة، دون تقديم تبريرات سياسية مقنعة.
حكومة في منأى عن المساءلة
ما يجب التوقف عنده بجدية هو أن هذا التصدع في صفوف المعارضة مكّن الحكومة من تفادي واحدة من أقوى آليات المساءلة البرلمانية التي يمنحها الدستور. فملتمس الرقابة، ورغم صعوبة تحقيقه عدديًا، يظل أداة رمزية وسياسية ذات تأثير كبير، وكان تقديمه – حتى وإن لم يُسفر عن إسقاط الحكومة – كفيلًا بإعادة الاعتبار للدور الرقابي للبرلمان، وتقديم موقف معارض موحد يُحرج الأغلبية ويُربك حساباتها.
اليوم، تتصرف الحكومة كما لو أنها في “برلمان من ورق”: معارضة مفككة، لجان معطلة، ومساءلة شكلية. ورئيس الحكومة – كما كشف إدريس الأزمي – حضر أقل من نصف الجلسات الدستورية المفروضة عليه، ولم يظهر إلا في الملفات “المريحة”، متجنبًا القضايا الشائكة التي تمس معيش المواطن: البطالة، الغلاء، والفساد في الصفقات العمومية.
وفي تعليقها على ذلك، حذّرت هند التازي، الأستاذة الباحثة في علم الاجتماع السياسي بجامعة ابن طفيل، من الانعكاسات النفسية والاجتماعية لفشل المؤسسات التمثيلية.
وأضافت في اتصال مع نيشان: “عندما يرى المواطن أن المعارضة غير قادرة حتى على الاتفاق على ورقة برلمانية، يبدأ في فقدان الإيمان بالمسار السياسي برمّته. وهنا تكمن الخطورة، لأن الفضاءات غير المؤطرة – أي الشارع أو الشبكات الاجتماعية – تتحول إلى بديل، وغالبًا ما يكون ذلك خارج منطق المؤسسات.”
وتتابع التازي: “الجيل الجديد من المغاربة لا يتفاعل مع الصراع الإيديولوجي بين اليمين واليسار، بل مع القضايا الملموسة: البطالة، الصحة، التعليم. وفي غياب معارضة تُصغي وتُمثل همومه، سيكون عرضة لكل أنواع الشعور بالتهميش والانفصال السياسي.”
هل من أفق؟ نحو إعادة تعريف المعارضة
السؤال المطروح اليوم بإلحاح: هل ما زالت المعارضة في المغرب قادرة على استعادة موقعها، أم أن البلاد أمام نهاية أدوارها التاريخية؟ وهل ستحمل انتخابات 2026 تحولات نوعية، أم ستعمّق فقط من حالة العزوف الشعبي؟
تقول الباحثة التازي في هذا السياق: “إن ما وقع ليس هزيمة تقنية، بل تراجع سياسي خطير. المطلوب اليوم هو إعادة تعريف موقع المعارضة، وترتيب أولوياتها على أساس التوافق حول القضايا الكبرى، لا التنافس على الميكروفونات.”
من يقود من؟ أزمة قيادة أم مشروع؟
تبدو المعارضة المغربية اليوم بلا رأس، بلا مشروع، وبلا خارطة طريق. شخصيات مثل بنكيران لم تعد تجد تجاوبًا مع خطابها، والأحزاب تفتقد إلى زعامات قادرة على تأطير الشارع أو حتى ضبط الانسجام الداخلي.
المثير أن كثيرًا من الخلافات داخل المعارضة لا ترتبط بالبرامج أو السياسات، بل بمن سيمثل المبادرة، ومن يتحدث في الجلسة العامة، ومن يُنسب له “السبق” في تقديم المقترح. هذا النزوع نحو “الزعامة الرمزية” أظهر نرجسية حزبية تعلو على المصلحة العامة، وحوّل العمل السياسي إلى ما يشبه ساحة استعراض ذاتي.
هل يمكن إعادة بناء الثقة؟
فقدت المعارضة اليوم كثيرًا من مصداقيتها لدى الشارع. فعندما يفشل خصوم الحكومة في الاتفاق على تفعيل ملتمس رقابي، في وقت يتسع فيه الفقر وتُسحق فيه الطبقات المتوسطة بأسعار غير مسبوقة، فإن الرسالة التي تُفهم تلقائيًا هي: “لا فرق بين الأغلبية والمعارضة، فكلاهما غير معني بالحياة اليومية للمواطنين”.
من هذا المنطلق، يؤكد متابعون للشأن السياسي المغربي أن إعادة بناء الثقة تتطلب أولًا القطع مع الحسابات الحزبية الضيقة، وإعادة صياغة تحالفات المعارضة بناءً على مشروع سياسي مشترك، لا على منطق الرد على الحكومة فقط. ويتطلب ذلك أيضًا شجاعة نقدية ذاتية داخل كل حزب يعترف بفشله في احتواء الغضب الشعبي.
وإلى أن يحدث ذلك، ستظل الحكومة تشتغل في “راحة تامة”، بلا رقابة جدية، بلا مساءلة حقيقية، وبلا خوف من خصوم سياسيين أصبحوا أكثر انشغالًا بتصفية الحسابات البينية من مواجهة السياسات العمومية.







