تواصل وزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، العزف على وتر الأرقام القياسية، في لغة ترويجية لا تختلف كثيرًا عن الحملات التسويقية التي اعتادت الاشتغال عليها خلال مسيرتها المهنية في مجال الماركتينغ. الوزيرة، التي شغلت سابقًا منصب مديرة للتسويق بمجموعة “أكوا” المملوكة لرئيس الحكومة عزيز أخنوش، تنقل اليوم خبرتها في الإعلانات التجارية إلى قطاع السياحة، لكنها تبدو أكثر انشغالًا بالأرقام والنسب المئوية مما هي منشغلة بأثر هذه الأرقام على الاقتصاد الحقيقي وعلى التنمية المحلية.
الأرقام التي أعلنتها وزارة السياحة أمس الأربعاء تكشف عن استقبال المغرب لـ7.2 مليون سائح خلال الخمسة أشهر الأولى من سنة 2025، أي بزيادة 22 في المائة مقارنة بنفس الفترة من السنة الماضية، وهو ما يمثل إضافة بنحو 1.3 مليون سائح مقارنة بعام 2024، ونموًا بنسبة 68 في المائة مقارنة بعام 2019، الذي يعتبر عامًا مرجعيًا لما قبل جائحة كورونا. أرقام براقة بلا شك، لكنها لا تكشف سوى جزء من الحقيقة، وهو الجزء الذي تختار الوزارة تسليط الضوء عليه بشكل احتفالي، بينما يتم إغفال الأسئلة الحقيقية المرتبطة بما تعنيه هذه الأرقام بالنسبة للاقتصاد الوطني والمجتمعات المحلية.
أول ما يثير الانتباه في هذه المعطيات أن جزءًا كبيرا من هؤلاء السياح هم من مغاربة العالم، الذين يتدفقون على البلاد بشكل طبيعي في هذا الفصل من السنة تزامنا مع الأعياد الدينية واقتراب موسم العطلة الصيفية، ويتم عدّهم ضمن السياح في سياق لا يخلو من توظيف سياسي للأرقام. في الواقع، يشكل مغاربة العالم، وفق بيانات سابقة للمكتب الوطني للسياحة، نسبة كبيرة من الأرقام المعلنة في كل موسم صيفي، وهو ما يجعل الحديث عن “الطفرة السياحية” أمرا يحتاج إلى تمحيص.
ليسَ هذا فحسب، بل إن وراء هذا الخطاب الترويجي تبدو معضلة أكبر، تتعلق بنوعية السياح ومستوى إنفاقهم. فالحديث عن الكم لا يُجدي كثيرًا إذا لم يكن مقرونًا بالكيف. المغرب في هذه المرحلة لا يعاني من قلة عدد الزوار، بل من محدودية أثرهم الاقتصادي، وهو ما أكده حتى نواب من الأغلبية الحكومية في الأسابيع الأخيرة، حيث تنبهوا إلى أن هذا التدفق لا ينعكس فعليًا على الأسواق المحلية ولا على دخل الأسر ولا على خلق فرص الشغل المستدامة. جلّ الزوار الذين يقصدون المغرب، خاصة من الأسواق التقليدية في أوروبا، يقضون عطلاتهم ضمن عروض منخفضة التكلفة تشمل تذاكر طيران رخيصة وإقامات محدودة المصاريف، بينما يفضل كثيرون منهم اللجوء إلى الكراءات القصيرة الأمد أو الإقامة عند الأصدقاء، بل وفي واقعة غريبة، قام سائح أجنبي مؤخرا بنصب خيمة في حديقة “عرصة الحامض” بمدينة مراكش قبل تدخل السلطات لمنعه من ذلك، مما يجعل مساهمتهم الاقتصادية المباشرة أقل مما توحي به الأرقام.
الأمر لا يقف عند هذا الحد، فبالموازاة مع هذا التدفق العددي، ترتفع أصوات في صفوف المهنيين والفاعلين السياحيين منتقدة غياب استراتيجية واضحة لاستهداف فئات جديدة من السياح ذوي القدرة الشرائية المرتفعة، مثل سياح الأسواق الأمريكية والآسيوية أو عشاق السياحة الثقافية والإيكولوجية وسياحة الأعمال. هذا التوجه كان من المفترض أن يكون جوهر المخطط الاستراتيجي للقطاع، لكنه ظل رهينًا لخطاب رقمي يبيع الوهم أكثر مما يعكس عمق الواقع.
الأزمة تتجلى أيضًا في عدم مواكبة البنية التحتية والخدماتية لهذا النمو الكمي. العديد من المدن السياحية الكبرى، وفي مقدمتها مراكش وأكادير وفاس وطنجة، تعاني من اختلالات مزمنة في تدبير النقل والتوجيه والإيواء، إضافة إلى تفاوتات صارخة في جودة الخدمات المقدمة. ولا يمكن في هذا السياق التغاضي عن الفجوة الواضحة بين الأسعار المرتفعة التي تواجه بها السياح في الفنادق والمطاعم وبين جودة الخدمات التي تظل دون مستوى التطلعات، بل وفي أحيان كثيرة دون الحد الأدنى الذي يجعل السائح يفكر في العودة مرة ثانية.
وفي اتصال هاتفي أجرته «نيشان» مع خالد مزياني، الفاعل في القطاع السياحي بورزازات، أكد أن “الجهة تعرف إقبالً متزايدا من السياح، لكن المشكل أن جزءًا كبيرًا منهم يمرون مرور الكرام دون أن يستفيد التجار والمطاعم بشكل حقيقي. لدينا إكراهات في النقل الداخلي والبنية التحتية، والخدمات ما تزال دون المستوى المطلوب. ونحتاج لاستثمار حقيقي في التجربة السياحية، وليس فقط في الحملات الترويجية”.
وأضاف المتحدث ذاته أن “الاحتفال بالأرقام دون قياس أثرها هو أشبه بتزيين الواجهة وإهمال أساس البناية. القطاع السياحي يعاني من ضعف في القيمة المضافة. عندما نتحدث عن ملايين السياح ولا نرى انعكاسًا على التشغيل أو تحسين عائدات التجار المحليين، فنحن أمام نشاط استهلاكي أكثر مما هو إنتاجي. مضيفا أن “المطلوب هو استقطاب سياح ينفقون أكثر، وليس فقط سياحًا أكثر عددًا”.
إلى جانب هذه المعطيات الميدانية، تبرز أيضًا إشكالية الموارد الطبيعية المستنزفة بفعل هذا التدفق السياحي، خصوصًا في ظل أزمة الجفاف التي يعيشها المغرب. لا معنى للتباهي باستقطاب ملايين السياح بينما المسابح وملاعب الغولف تستهلك كميات ضخمة من المياه، في وقت تُفرض فيه قيود صارمة على المواطنين وترتفع التحذيرات من أزمة مائية خانقة في السنوات المقبلة. في تجارب دولية عديدة، مثل إسبانيا وفرنسا، تم اعتماد ضرائب بيئية مخصصة للسياحة لضمان الحد الأدنى من المساهمة في تعويض الضغط على الموارد، وهو ما لم تجرؤ وزارة السياحة إلى حدود الآن على حتى طرحه للنقاش.
في هذا المشهد، يتضح أن الرهان على الأرقام وحدها هو رهان فارغ ما لم يتم تحويل هذه المؤشرات الرقمية إلى مكتسبات اقتصادية ملموسة تنعكس على حياة الناس، خصوصًا في المدن التي تستقبل النصيب الأكبر من الزوار. الاستمرار في تسويق الأرقام بوصفها إنجازًا وطنيًا هو جزء من ثقافة التسويق التي خبرتها عمور في مسيرتها الخاصة مع الإعلانات والعلامات التجارية، لكنها ثقافة تظل قاصرة أمام استحقاقات التنمية الحقيقية.
وتؤكد المصادر، أن النجاح في قطاع السياحة لا يقاس بعدد الزوار وحده، بل بقدرة هؤلاء الزوار على إنعاش الأسواق المحلية وخلق فرص الشغل وتحريك عجلة الاقتصاد. والواقع أن المغرب، رغم الزخم الذي تحققه صورته عالميًا منذ ملحمة كأس العالم في قطر 2022، لا يزال بحاجة إلى قفزة نوعية في الرؤية والسياسات والتدبير. أما الأرقام وحدها، فستظل مجرد واجهة لنجاحات مؤقتة سرعان ما تنكشف حقيقتها أمام صرامة الأسئلة الاقتصادية والاجتماعية التي يطرحها الشارع والمهنيون على حد سواء.







