لم يكن تصريح فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية ورئيس الجامعة الملكية لكرة القدم، حول الأثر الاقتصادي المنتظر لتنظيم كأس العالم 2030، مرورًا عابرًا في لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب. بل بدا كمحاولة لبعث رسائل تفاؤل حازمة مفادها أن «مونديال 2030» لن يكون مجرد تظاهرة كروية ضخمة، بل رافعة تنموية شاملة ستقود البلاد نحو نمو اقتصادي يصل إلى 6 في المائة وتقلص معدل البطالة، الذي يراوح حاليًا قرابة 13 في المائة.
لكن، وبين التصريحات الحالمة وواقع المؤشرات الاقتصادية المتأرجحة، تبرز تساؤلات مشروعة حول مدى واقعية هذا الطرح، خاصة في سياق ارتفاع حجم الدين العمومي، وضغط تمويل مشاريع البنية التحتية المرتبطة بكأس العالم، والتي يُنتظر أن تستنزف موارد ضخمة من خزينة الدولة.
مشاريع مونديالية بأموال مقترضة
المغرب دخل سباق الزمن لتأهيل الملاعب والبنية التحتية استعداداً لكأس أمم إفريقيا 2025 وكأس العالم 2030، من خلال استثمارات ضخمة يُمول جزء كبير منها باللجوء إلى الاقتراض، بحسب أرقام رسمية وتقارير اقتصادية مستقلة. وتقدر بعض التقديرات غير الرسمية أن الكلفة الإجمالية قد تفوق 120 مليار درهم، تشمل التجهيزات الرياضية، والنقل، والبنية التحتية الفندقية، والترويج السياحي والإعلامي.
لكن، هل يمكن فعلاً الحديث عن خلق فرص شغل كافية ومستدامة في ظل هذه المعطيات؟
الخبير الاقتصادي محمد الرهطوط، في اتصال أجرته معه نيشان، عبّر عن شكوكه، معتبراً أن ما يقوله لقجع أقرب إلى التسويق السياسي منه إلى تقييم اقتصادي دقيق. ولفت إلى أن “تنظيم الأحداث الكبرى لا يضمن النمو تلقائيا، بل قد يتحول إلى عبء طويل الأمد، كما أظهرت تجارب عالمية عديدة”.
وأضاف أن الاستثمار في أحداث مثل كأس العالم قد يضخ سيولة مؤقتة في قطاعات محدودة كالبناء والفندقة والسياحة، لكنه لا يخلق تحولاً هيكلياً في الاقتصاد، ما لم يكن مصحوباً بإصلاحات عميقة تمس الإنتاجية، والعدالة الجبائية، وتحفيز الاستثمار الصناعي والتكنولوجي.
كما رأى “الرهطوط” أن الحديث عن بلوغ معدل نمو بنسبة 6 في المائة بفضل المونديال “مبالغ فيه ولا يستند إلى معطيات واقعية”، متسائلاً عن مدى جدوى ربط نمو الاقتصاد بتنظيم حدث رياضي مهما كانت رمزيته، خصوصاً أن المغرب لم يحقق هذا المعدل من النمو حتى في أزهى فتراته الاقتصادية.
وأكد أن الرهان على المونديال قد يُخفي قصوراً في السياسات القطاعية الأساسية، وعلى رأسها التعليم، والصحة، وتشغيل الشباب، داعياً إلى “نقاش وطني صريح حول الكلفة الحقيقية لهذه التظاهرات، ومن يتحملها، ومن يستفيد منها، وهل سيكون لها أثر فعلي على الفئات الهشة والمناطق الأقل حظاً؟”
النموذج اليوناني… وصدمة ما بعد الاحتفالات
الخبراء الذين يشككون في الطرح الرسمي يستندون إلى تجارب مماثلة لدول نظمت أحداثاً كبرى، من أبرزها اليونان، التي استضافت الألعاب الأولمبية عام 2004. يومها وعدت الحكومة اليونانية بجني أرباح سياحية ومكاسب اقتصادية ضخمة، غير أن ما أعقب الألعاب كان سنوات من التقشف والانهيار الاقتصادي، بعد أن تراكمت ديون تجاوزت 15 مليار يورو لتمويل الملاعب والمنشآت، التي تحولت لاحقاً إلى “أطلال إسمنتية”.
وحتى البرازيل، التي استضافت كأس العالم 2014، وجدت نفسها بعد سنوات قليلة في مواجهة ركود اقتصادي خانق، بعدما أنفقت أكثر من 11 مليار دولار على البنية التحتية، وسط احتجاجات شعبية عارمة شككت في أولوية “كرة القدم على حساب الصحة والتعليم”.
في هذا السياق، يؤكد الرهطوط أن “أكبر المستفيدين من مثل هذه التظاهرات هم عادة مقاولات البناء، وشركات الاستيراد، وشركات الطاقة والمحروقات، وبعض الفاعلين في السياحة والنقل الجوي. أما البطالة والفقر، فغالباً ما تعود إلى مستوياتها بعد نهاية الحدث، ويبقى الدين العمومي هو الإرث الوحيد الذي لا يغادر.”
فرص شغل مؤقتة… أم بنية اقتصادية دائمة؟
ما لم يشر إليه لقجع هو نوعية فرص الشغل المنتظرة، وهل هي مؤقتة ترتبط بأوراش البناء، أم دائمة وقادرة على إدماج الشباب المغربي العاطل فعلياً.
الخبير “محمد الرهطوط” يوضح أن مثل هذه المشاريع تخلق غالباً فرص شغل “عرضية” تنتهي بانتهاء “الحدث”، بينما يحتاج التحول البنيوي في سوق الشغل إلى استثمارات منتجة، ومناخ أعمال تنافسي، وسياسات تكوين وتشغيل فعالة.
ويضيف في الاتصال ذاته مع نيشان أن “المراهنة على المونديال كرافعة لخفض البطالة أشبه بالمراهنة على التسويق بدل الإنتاج. لافتا الى أن “النمو الحقيقي لا يأتي من استضافة حدث لمرة واحدة، بل من اقتصاد مستقر وتنافسي ومستدام.”
التضخم وغلاء المعيشة… أين الأولويات؟
وسط هذه الأرقام، لا بد من التذكير بأن المغرب يعيش منذ سنوات على وقع تضخم متسارع وارتفاع غير مسبوق في كلفة المعيشة، ما يجعل المواطن العادي يشعر أن الأولويات مختلة. وتطرح مصادر اقتصادية تساؤلات عن مدى منطقية الاستمرار في الاقتراض والإنفاق العمومي على الملاعب، بينما تعاني المستشفيات والمدارس من خصاص حاد، وترتفع أسعار المواد الأساسية بشكل مطرد.
وبينما يؤكد المسؤولون أن “المونديال فرصة للترويج لصورة المغرب في الخارج”، تتساءل ذات المصادر حول جدوى هذه الصورة، إذا جاءت على حساب الاحتياجات الاجتماعية الملحة في الداخل.
“مؤسسة المغرب 2030”.. إدارة جيدة أم جهاز بيروقراطي إضافي؟
في خطوة تنظيمية، أعلن لقجع عن تأسيس “مؤسسة المغرب 2030” لمتابعة إنجاز المشاريع المرتبطة بكأس العالم، مؤكداً أنها لن تحل محل أي مؤسسة أخرى، ولن تطلق الصفقات، بل ستتولى التتبع وضمان احترام الآجال.
لكن بعض المصادر ترى أن تعدد المؤسسات وتداخل الاختصاصات قد يُنتج مزيداً من البيروقراطية دون ضمانات حقيقية على الفعالية. وتتساءل المصادر ذاتها عما اذا كانت الحاجة الحقيقية هي إلى مؤسسة جديدة، أم إلى ترشيد وتنسيق الجهود القائمة ضمن الهيكلة الحكومية الحالية.
من الفخر الرياضي إلى “التحدي المالي”
الأكيد أن تنظيم كأس العالم 2030 سيكون لحظة فارقة في تاريخ المغرب، وفرصة لترسيخ حضوره على الساحة الدولية. لكن المصادر والخبراء يجمعون أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في الفوز بشرف التنظيم، بل في تحويل هذا الحدث إلى رافعة اقتصادية واجتماعية حقيقية، دون السقوط في فخ الديون والعجز المالي.
وتشدد المصادر ذاتها أن على المسؤولين وباقي المتداخلين في هذا المشروع العملاق، التحلي بالمزيد من الشفافية والواقعية في التواصل مع الرأي العام، وتقديم معطيات دقيقة حول الكلفة والفوائد والبدائل الممكنة، حفاظاً على توازن الاقتصاد الوطني، وصوناً لكرامة المواطن البسيط.







