يعرف الجميع أن الدكتوراه، وغيرها من الشهادات، هي جزء من الإعتراف لشخص بمقدرته على الاستمرار في تعلم وممارسة مناهج البحث العلمي. لم يصبح هذا الإعتراف ” مهما” الا بعد أن أصبح جزءا من منظومة تربط الوضعية الاجتماعية بدرجة التحصيل العلمي الرسمي. أقدم كل الاعتذار لكل من صنع التاريخ العلمي والمعرفي عموما دون أن يتجاوز عقبات إدارية وايديولوجية ودينية لم تخول له ” لقب ” دكتور” وأعرب لكل هؤلاء عن احترام عميق لأنهم خدموا الإنسانية وهم مسلحون بعلم أو بعلوم كان لها أثر على تغيير التاريخ والحضارة. قد يأتي دكتور من هؤلاء الذين يعيشون بيننا ليؤكد أن ” غاليلي “، الذي اغتالته الكنيسة، ليس دكتورا، ولو أنه بين علميا أن الأرض كروية الشكل. وكان علماء اللاهوت اللاتينيين هم من أعطوا لأنفسهم لقب دكتور. ولم تكن هذه التسمية في الأصل ذات علاقة بعلوم الطب. ويقال أن لقب أو اسم” دكتور مشتق من اللاتينية تنطق “دوصيري” وتعني العلم والمعلم. والمرجع في وقتنا هذا ذكاء اصطناعي..
وعرف إسم أو لقب دكتور نفس المسار الذي عرفه ” لقب أو درجة ” الحاج ” في اللخبطة التي أصابت ممارسة العبادات. ويعلم الجميع، من العارفين” أن الحج كفعل يتطلب السفر، وممارسة شعائر خاصة، في وقت محدد، من طرف شخص حج إلى مكة يعطيه لقب حاج خلال فترة سفره فقط. ولكن ” الحاج ” تحول إلى امتياز اجتماعي وتشريف بعد سفر مكلف. ولو صح، دينيا، ربط إقامة ركن أو شعيرة دينية لأصبح ممارس الصلاة يحمل لقب ” المصلي ” وتكاثرت الألقاب كالصائم، والمزكي، والشاهد. وأصبح مفتاح الدخول إلى مقامات وهمية حمل لقب دكتور. ويظل كبار الباحثين والعلماء يرفضون الألقاب، ويكتفون بجرد أعمالهم البحثية، وثقلها العلمي. أما عبدة الألقاب فهم من ادخلوا العار إلى جامعاتنا من خلال إفساد التحصيل العلمي عبر بيع الشهادات مقابل المال والتحرش الجنسي. اقرأ كتبا كثيرة، وذات ثقل معرفي وبحثي، ولا أجد لقبا للكاتب غير إسمه العائلي والشخصي. ولا زلت أتذكر ما حصل لي مع أحد أبناء الحي، الأكبر مني سنا ،في مراكش الذي علم بحصولي على الدكتوراه من فرنسا. وجاء يطلب مني استشارة طبية. حاولت بكثير من الجهد أن أفسر له أنني لست طبيبا. وقرأت في نظراته كثيرا من الرسائل التي لا تعتبر أن غير الأطباء يجب أن يتم منحهم درجة دكتور. واتفقت معه ضمنيا، ولم أقبل أبدا أن ” يطنز” علي أحد باستعمال ” دكتور” للنداء علي.
وأتذكر بكثير من الاحترام اساتذتي في كليات الرباط وبوردو الفرنسية الذين لم نكن نخاطبهم بلقب دكتور، لكنdبصفة ” استاذ”. وكان المغاربة لا يتنادون بينهم بلقب دكتور، خارج نطاق الطب، إلا علي سبيل الهزل عكس ما هو متداول في مصر وسوريا والخليج . وأصبح يومنا مثقلا بالألقاب التي تغيب عنها الأعمال، ولا ترتبط بالأبحاث والإبداع. وأصبح الدكتور كلقب مفتاحا لتشويه الجامعات، إلا من رحم ربي، وللتمكن من حضور، غير ضروري، في استديوهات التعليق على الأخبار في القنوات التي أصبحت كلها رسمية. وهكذا تحول الدكتور إلى مرشح سابق لدى حزب حاكم، وإلى أداة تصفي وتعيد صياغة خطاب بأدوات غير علمية. واستعر سباق ممتهني اليوتوب ، الأغنياء بحكم ملكتهم في صنع خطاب بكل ما يسمى الحقيقة وضدها. وقال الدكتور الجديد أن العلم لديه، والمعلومة حكر عليه، والحصول على المغانم حق له ولحاشيته. لقد اختلط الحابل بالنابل، وهذه أسطورة تبين مدى سيطرة ” المخلوضين ” على صنع الخبر والتعليق عليه، والاغتناء السريع من وراءه. احتقر ضعاف النفوس، واشتم كل مستغل يسترزق من صحافة الكذب، والبحث على درهم يدخل جيبه من جراء المحاباة، والنقد السياسي والإقتصادي وسيلة للحصول على منافع مالية عبر امتهان الكذب والسمسرة.
و لن يفوتني أن أتوجه بكل عبارات الاستهزاء لكل من يعتبر درجة الدكتوراه وسيلة إلى التضليل، وانتهاز الفرص للفوز بالمزايا. لا ثبت ألله سعيكم. وسأظل من الحاملين لغل عميق سياسي، وطبقي وأخلاقي لكي يحاكم كل مفسد كان دكتورا جبانا، أو كان محتالا على الشأن العام.
و سأظل شاكرا ومعترفا لكل عالم حارب الجهل، وواجه الطغيان، ولم ينحدر إلى أسفل سافلين من أجل اغتناء غير مشروع. و اللعنة الكبرى على كل من حارب، وساهم في عرقلة سن قانون ضد الاغتناء غير المشروع. يا علال الفاسي، أيها المناضل السياسي الشهم، والذي مات وهو يدافع عن فلسطين في رومانيا، إن احفادك، في حزبك، يساندون كل القضايا التي تهاجم حقوق المغاربة الذين وهبت حياتك من أجلهم، ووضعت أمامهم وثيقة تاريخية سميتها ” النقد الذاتي”. لم تكن تعترف إلا بأحرار المغاربة، وأصبح المنتمون إلى حزبك لا يجدون حرجا في السكوت عن خطايا أحزاب الإدارة. وأحفادك، اي المنتمون إلى حزب الاستقلال اليوم يتنكرون اليوم لتوجيهاتك. قد يجدون أنفسهم، إن لم يحذروا، في منحدر خطير. وسيظل كل من يعتز بلقب دكتور، من غير الأطباء، محتالا ومحبا للألقاب لغاية غير مفيدة.
الدكتوراه اعتراف يمكن أن يمنح خارج الجامعات.. أفيقوا أيها السياسيون







