بينما يستعد المغرب لاحتضان أضخم تظاهرة كروية في العالم سنة 2030، تتعالى أصوات أكاديمية محذرة من مخاطر “الانبهار الآني” بالبناء والإعمار، دون رؤية بعيدة المدى تحول هذه الأوراش إلى رافعة تنموية دائمة. دراسة علمية حديثة أعدها الأستاذ الباحث عادل المعروفي، بكلية متعددة التخصصات بالرشيدية، دقت ناقوس الخطر حول “الارتباط المشروط” بين نجاح الاستثمارات العقارية المرتبطة بالمونديال وبين قدرة البلاد على تأطيرها ضمن استراتيجية شاملة لما بعد الحدث.
الدراسة التي اطلعت “نيشان” على مضامينها، لا تخفي مخاوفها من أن تتحول الملاعب والفنادق ومناطق الإيواء، التي يجري تسويقها اليوم بوصفها أوراشا استثنائية، إلى بنى تحتية مهجورة بعد إسدال الستار على آخر صافرة. المعروفي يطرح بوضوح إشكالية “المنشآت غير المستغلة”، مشيراً إلى أن جزءاً معتبراً من الحظيرة العقارية الجاري تعبئتها لفائدة الحدث، قد يواجه مصيراً مشابهاً لما شهدته مدن في البرازيل أو جنوب إفريقيا بعد احتضانها للبطولة ذاتها.
ففي ريو دي جانيرو، تحولت بعض الملاعب التي شُيدت خصيصاً لمونديال 2014 إلى هياكل مهجورة وسط أحياء مهمّشة، بعدما عجزت السلطات عن إيجاد وظائف بديلة لها. وفي جوهانسبرغ، لا تزال “ملاعب الأشباح” شاهدة على فشل دمج البنية التحتية الرياضية في النسيج الاقتصادي المحلي. وهنا يبدو الدرس واضحا، تنظيم حدث عالمي لا يعني بالضرورة تحقيق مكاسب تنموية إن لم يسبقه تخطيط عقلاني واستثمار متعدد الأبعاد.
وإذا كان المغرب قد راهن على الحدث الرياضي كقوة جذب للاستثمار السياحي وتحديث البنية التحتية، فإن الدراسة تنبّه إلى محدودية هذا الرهان في غياب مقاربة مندمجة تعيد التفكير في مصير تلك المنشآت بعد انتهاء البطولة. “لا يكفي أن نبني.. علينا أن نعرف ماذا سنفعل بكل ما بنيناه”، بهذه العبارة اختصر المعروفي المعضلة التي تواجهها كبريات التظاهرات العالمية حين تغيب عنها الاستدامة.
الدراسة تقترح تصوراً شبيهاً بما يُعرف في أدبيات التخطيط الحضري بـ”مخططات ما بعد الكارثة”، أي برامج مهيأة سلفاً للتعامل مع مرحلة ما بعد الحدث، تدمج المجتمع المدني والقطاع الخاص في صيانة وتدبير المنشآت، وتعيد تأهيل بعض منها لأغراض تعليمية أو ثقافية أو تجارية، تفادياً لسيناريو “الاستنزاف العقاري” الذي شهدته بلدان عدة. كما تنتقد الدراسة صراحة “الإفراط في اللجوء إلى نزع الملكية” بدون تقييم دقيق للأثر الاجتماعي والاقتصادي، محذّرة من تحوّل بعض المشاريع الكبرى إلى فضاءات مغلقة خارج متناول الساكنة.
وتشدد الدراسة أن الرهان المغربي اليوم، يكمن في ضمان أن لا تظل هذه المشاريع الكبرى حبيسة صور التدشينات والافتتاحات الرسمية، بل أن تتحول إلى روافع حقيقية للتنمية المحلية، خصوصاً في مدن الداخل التي لطالما عانت من هشاشة التجهيزات وضعف العرض السكني والخدماتي.
وتأتي التحذيرات في وقت تتزايد فيه مؤشرات القلق لدى عدد من الفاعلين، خاصة مع ما يُتداول بشأن تعثر بعض الأوراش أو غموض حول سبل تمويلها المستدام. ويؤكد خبراء، أن المونديال، رغم وهجه الإعلامي والرمزي، ليس غاية في حد ذاته، وإنما لحظة مفصلية ينبغي أن توجّه نحو إصلاحات هيكلية تعالج اختلالات التعمير والعقار في المغرب.







