هل حقًّا اقتربت نهاية أخنوش؟
هل صار رئيس الحكومة و”عرّاب المحروقات” ورقة محروقة؟ وهل أصبحت إحالته على التقاعد السياسي مسألة وقت فقط؟
التفسيرات التي أعقبت غياب أخنوش عن اجتماعات “انتخابية” تلت خطاب العرش، وأيضًا الرسائل الضمنية التي وردت في الخطاب الملكي، أعطت انطباعًا بأن وقت نزوله من عربة السلطة قد حان.
هي قراءات انفعالية غذّاها نقاش سياسي، ركب على حالة السخط الشعبي من أداء حكومة يمكن، بكثير من الموضوعية، أن نصفها بأنها من بين أسوأ الحكومات التي عرفها المغرب، إن لم تكن الأسوأ على الإطلاق، خاصة على مستوى الفضائح المالية والسياسية.
كان لحميد شباط قبل أن تنهار به قلعة العزيزية عبارة شهيرة سبقت انتخابات كثيرة، مفادها: “لي بغاها المخزن، هي اللي غاتكون”.
وبالتالي واضح اننا امام قراءة متسرعة لنهاية اخنوش اعتبارا لطبيعة الكتلة الناخبة بالمغرب والتي لا يمكن أن نتوقع منها تصويتا عقابيا… وأساسا بالنظر للسيناريو الذي حصل به اخنوش وحزبه على المرتبة الأولى ومن ورائها رئاسة الحكومة بعد أن كان الرجل منبوذا من الشارع..
كما كان رأسه مطلوبا في حملة المقاطعة…
بل إن صوره جابت شوارع المملكة في مسيرات احتجاجية..
كما كان اسمه ترندا بصيت دولي بعد “هاشتاغ” “ارحل” دون ان يتزعزع الرجل من مكانه بل تمادى وتسلط وتوعد بتربية المغاربة بعد أن بلع صفقات بمئات الملايير .
اليوم، ليس السؤال هو: متى يرحل أخنوش فقبله رحل آخرون؟ بل السؤال الحقيقي: ما البديل…؟
هل نملك نخبة سياسية نظيفة وذات كفاءة، قادرة على تدبير المرحلة المقبلة وسط تنامي مؤشرات السخط الاجتماعي، وتدهور المؤشرات الاقتصادية، وتورّط البلاد في مديونية خانقة، وتفشّي البطالة؟
حتى مع “الرحيل المحتوم” لأخنوش، تبقى المشكلة قائمة لأن العطب قديم… “دكة الاحتياط” السياسية مليئة بأمناء أحزاب تحوّلوا إلى “كراريس”، بلغة “الكورة”. وبالتالي، سيجد المغاربة أنفسهم في الانتخابات المقبلة، رغم كل الضجيج، أمام خيارين: الطاعون أو الكوليرا.
رحيل أخنوش تأخّر كثيرًا والمغاربة دفعوا الثمن، وانتظار الانتخابات لطيّ صفحته هو مجرّد إجراء ميكانيكي لا علاقة له بالسياسة، بقدر ما هو مرتبط بمزاج “المخزن” الذي يُمعن النظر في سلّته، باحثًا عن “بيضة مكسورة لكن تصلح” بعدما فسد مح “الأحرار”، واتضح أن البلاد والعباد لا يملكون طاقة لتحمّل ولاية ثانية.
سبق للمغاربة أن بعثوا برسالة جماعية قوية من خلال حملة المقاطعة، وهي رسالة وصلت، ولكن البعض لا يزال يرفض فهمها، وعلى رأسهم رئيس الحكومة، الذي يرى في كل من ينتقد الأداء الحكومي عنصرًا من “طابور التشويش والتبخيس”.
صحيح أن الاحتجاج تراجع إلى الهواتف ومواقع التواصل الاجتماعي، لكن صبر الناس نفذ، والبلاد أصبحت أشبه بطنجرة ضغط .
المغاربة سئموا من شماعة “الإرث القديم”، ومن نظرية الاستهداف والتحكّم، ومن البضاعة الفاسدة لسياسيين راكموا الثروات، وأُعدّت لهم قوانين تحميهم من المحاسبة في عهد حكومة أخنوش.
كما سئموا من كثرة الكلام، بعد سنوات وعقود تعاقبت فيها حكومات كثيرة فشلت في إصلاح الأعطاب البنيوية للبلد، بل ساهمت في استفحالها.
لقد سمعنا حكاية “الإرث القديم” في عهد حكومة اليوسفي، حين عجزت عن فتح ملفات الفساد الكبرى. ثم عادت نفس الأسطوانة في عهد بنكيران، وبعده العثماني. إلى أن فوجئنا بأن الملياردير أخنوش نفسه، صاحب أكبر “بومبة” بالمغرب، يشكو من ذات الإرث!
في الدول التي لديها حكومات تهاب امتحان الانتخابات..وتستشعر ثقل القرارات والتصريحات، سيما تلك المرتبطة بإصلاحات ومشاريع كبرى، يصبح الأمر تعاقدا سياسيا ملزما خوفا من تصويت عقابي.
لكن ما نعاينه في هذا البلد هو أن وزرائنا وسياسينا آخر ما يهمهم هو يوم الاقتراع.
هذا لأن الجميع يعلم كيف تُرقع الحكومات، وكيف يمكن الوصول إلى مناصب المسؤولية التي لا مؤشرات إطلاقا على قرب ربطها بالمحاسبة.
لقد جرب المغاربة مع كل حكومة شعارات كبيرة سوقت للتغيير والإصلاح والإقلاع، لكن الواقع هو أن الحكومات توالت، فيما لازلنا نجتر نفس المشاكل.
بل ونجرب نفس الحلول العقيمة، وبنفس الوجوه والأحزاب والعقليات.. التي تدفع آلاف المغاربة للرحيل..
نرحل نحن أما هم فباقون…







