في عالم السياسة، لا تكمن قوة الخطاب في فصاحته بقدر ما تكمن في انسجامه مع الفعل. حين يطالبك من يمسك بمقاليد القرار بأن تدعم السياحة الداخلية وتكتشف جمال بلادك، فأنت لا تتوقع أن تراه، بعد أسابيع قليلة، على مائدة في جزيرة سردينيا الإيطالية، يحيط به أصدقاء وأطباق بحرية فاخرة، وفاتورة تساوي ما قد تنفقه أسرة مغربية متوسطة في سنة كاملة.
المسألة هنا ليست في حق السفر، فذلك حق إنساني لا ينازع فيه أحد، بل في رمزية التوقيت والمكان. رئيس الحكومة ليس مواطنًا عاديا، وصوره ليست مجرد لحظات خاصة، بل رسائل سياسية واقتصادية واجتماعية. وفي زمن تُضَخ فيه ملايين الدراهم على حملات مثل “نتلاقاو فبلادنا” — التي التهمت ما يقارب المليارين على مرحلتين لترويج السياحة الداخلية — يصبح قضاء العطلة في “جزر الأثرياء” تعبيرًا عمليًا عن انقطاع الجسر بين الخطاب والممارسة، أو لنقل بوضوح، أن الرسالة التي التقطها الناس هي “ما نتلاقاوش فبلادنا”.
المفارقة المؤلمة أن هذه الصور تأتي في لحظة تحتاج فيها السياحة الوطنية إلى دفعة رمزية أقوى من أي وقت مضى، وسط مؤشرات مقلقة، تشير الى تراجع تحويلات مغاربة العالم لأول مرة منذ 2021، تباطؤ عملية “مرحباً” في مرحلتها الثانية، وتزايد شكاوى الزوار من الغلاء وضعف الخدمات. كيف نطلب من الجالية والمستثمر أن يراهن على منتوجنا السياحي، بينما رأس الجهاز التنفيذي يروّج عملياً لوجهات أجنبية أخرى.
هنا يتجاوز النقاش البعد السياحي، ليطال السياسة بمعناها العميق، وتحديدا الحضور الرمزي، القدوة، وتماسك الصورة العامة للحكومة. ضف الى ذلك غياب رئيس الحكومة عن اجتماع تحضيري للانتخابات ترأسه وزير الداخلية بدلًا منه، بعد خطاب ملكي مباشر، زاد من رصيد الأسئلة المفتوحة. تراكم هذه المؤشرات — من اختيارات العطلة إلى الملفات الدستورية — يضعف ثقة المواطن، ويغذي الانطباع بأن القطيعة بين القاعدة والقمة لم تعد مجرد شعور بل واقعاً يتكرس.
في النهاية، لا أحد يطالب “المسؤول الحكومي” بأن يعيش حياة زهد أو يقطع نفسه عن العالم، لكن المسؤولية العمومية تفرض عليه أن يدرك أن كل خطوة، كل صورة، وكل مكان يقصده، هي جزء من سَردية أكبر عن الدولة والمجتمع. وحين تتناقض السردية الرسمية مع السلوك الملموس، فإن كل “خارطة طريق” أو حملة إعلانية تتحول إلى حبر على ورق، مهما كانت جودة إنتاجها أو بريق شعاراتها.
فالمؤسسات لا تبنى بالشعارات ولا بالإعلانات الممولة بسخاء، بل بالمثال الذي يقدمه من هم في القمة، لأن رمزية القدوة — في السياسة كما في الحياة — تساوي أضعاف أي ميزانية إشهارية. ومن المؤسف أن “حكومة أخنوش”، وهي التي تسوّق “التمغرابيت” كهوية اقتصادية وثقافية، لم تدرك بعد أن هذه الهوية تبدأ من اختياراتها هي، قبل أن تصل إلى المواطن العادي.







