أصدرت المحكمة الدستورية مؤخراً قرارها رقم 255/25 الذي شكّل محطة بارزة في النقاش القانوني والقضائي بالمغرب، بعدما حسمت في مدى مطابقة بعض المقتضيات الواردة في قانون المسطرة المدنية للدستور. القرار طال ثلاث مواد أساسية هي المادة 17، والمادتين 408 و410، وانتهى إلى التصريح بعدم دستورية أجزاء منها، لما تتضمنه من مساس بمبادئ دستورية راسخة في دستور 2011، أبرزها استقلال السلطة القضائية، فصل السلط، وحماية الأمن القضائي.
القرار، الذي أثار تفاعلات قوية داخل الأوساط القانونية، حظي بقراءة تحليلية معمقة من طرف الدكتور عدنان المتفوق، الكاتب العام لجمعية نادي قضاة المغرب، الذي تناول بالنقاش خلفيات القرار، ومنطلقاته الدستورية، ودلالاته على مسار إصلاح منظومة العدالة بالمملكة.
بحسب قراءة الدكتور المتفوق، فإن الفقرة الأولى من المادة 17 من القانون رقم 23.02 المتعلق بالمسطرة المدنية كانت تمنح النيابة العامة الحق في التقدم بطلبات لإبطال أحكام قضائية نهائية، حتى في الحالات التي لا تكون طرفاً فيها، متى رأت أن تلك الأحكام تمس بالنظام العام، مع منحها أجلاً زمنياً واسعاً يصل إلى خمس سنوات من تاريخ صيرورة الحكم حائزاً لقوة الشيء المقضي به.
المحكمة الدستورية، وإن أقرت بمشروعية الهدف المتمثل في حماية النظام العام، إلا أنها رأت أن الصياغة المعتمدة تشوبها عدة إشكالات جوهرية، في مقدمتها غياب التحديد الدقيق للحالات التي يمكن فيها التدخل، وترك سلطة تقديرية واسعة وغير مقيدة بيد النيابة العامة والجهة القضائية التي تبت في البطلان. هذا الغموض، وفق منطوق القرار، يمس بمبدأ الأمن القضائي ويهدد استقرار المراكز القانونية، ويشكل توسعاً غير مبرر في الاستثناء على قاعدة حجية الأحكام النهائية.
الدكتور المتفوق أوضح أن المحكمة استندت في موقفها إلى فصول دستورية أساسية، مثل الفصل 6 الذي يكرس سمو القانون، والفصل 117 الذي يُلزم القاضي بحماية الحقوق وضمان الأمن القضائي، والفصل 126 الذي ينص على إلزامية الأحكام النهائية للجميع، إضافة إلى القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية الذي يحصر ممارسة السلطة القضائية في القضاة المعينين.
الشق الثاني من القرار الدستوري شمل الفقرتين الأولى من المادتين 408 و410 من قانون المسطرة المدنية، اللتين منحتا وزير العدل، إلى جانب الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، صلاحية تقديم طلبات الإحالة في حال تجاوز القضاة سلطاتهم، أو في حالة التشكك المشروع في حيادهم.
المحكمة رأت في هذا المقتضى مساساً صريحاً بمبدأ فصل السلط، لأن وزير العدل عضو في الحكومة ويمثل السلطة التنفيذية، بينما هذه الصلاحيات ذات طبيعة قضائية خالصة ويجب أن تظل في يد السلطة القضائية وحدها. وميز القرار بين هذه الحالات، التي تتعلق بجوهر المسار القضائي، وبين ما ورد في المادة 411 التي تسمح لوزير العدل بالتدخل لأسباب وقائية مرتبطة بالأمن العمومي دون المساس بجوهر الدعوى.
الدكتور المتفوق أشار إلى أن المحكمة استندت في قرارها إلى الفصل 1 من الدستور الذي يؤكد على فصل السلط، والفصلين 107 و117 اللذين يكرسان استقلال السلطة القضائية ودور القاضي في حماية الحقوق وضمان الأمن القضائي. كما استحضرت المحكمة القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة، اللذين يقصران هذه الصلاحيات على القضاة والنيابة العامة تحت إشراف الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض.
في قراءته، يؤكد الدكتور المتفوق أن هذا القرار ينسجم مع فلسفة دستور 2011 التي سعت إلى بناء سلطة قضائية مستقلة فعلياً عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، ليس فقط على مستوى إصدار الأحكام، بل كذلك في ما يتعلق بالمساطر وآليات تحريك الدعوى وتنظيم سيرها.
القرار، في شقه المتعلق بالمادة 17، يرسخ مبدأ أن حماية النظام العام لا ينبغي أن تكون على حساب استقرار المراكز القانونية وحجية الأحكام النهائية، ويعيد التأكيد على أن أي استثناء على هذه القاعدة يجب أن يكون محدداً بدقة ومحصوراً في حالات استثنائية وموضوعية. أما في شقه المتعلق بالمادتين 408 و410، فهو يقطع مع أي وصاية للسلطة التنفيذية على القضاء، ويؤكد أن أي تدخل في المسار القضائي يجب أن يتم حصراً عبر مؤسسات القضاء نفسها.
من خلال هذا القرار، تؤكد المحكمة الدستورية أن الأمن القضائي واستقلال القضاء مبدآن متلازمان، وأن أي مساس بأحدهما ينعكس على الآخر. كما توجه رسالة للمشرع بضرورة صياغة القوانين الإجرائية بدقة ووضوح، مع وضع ضوابط موضوعية لأي صلاحيات استثنائية، ضماناً للتوازن بين حماية النظام العام وصيانة الحقوق المكتسبة.
ختاماً، ترى قراءة الدكتور عدنان المتفوق أن القرار 255/25 ليس مجرد إبطال لبعض المقتضيات القانونية، بل هو ترسيخ لمبادئ دستورية عليا، ورسالة واضحة بأن سلطة القضاء يجب أن تبقى محمية من أي تدخل خارجي، وأن الأمن القضائي هو صمام أمان لدولة الحق والقانون.
قرار المحكمة الدستورية : ترسيخ لاستقلال القضاء وضمان للأمن القضائي







