نصف مليون مغربي يفضلون قضاء عطلتهم الصيفية في إسبانيا، هو رقم مخيف، ويعد شهادة وفاة رسمية لجميع البرامج والخطط التي صُرفت عليها الملايير من أجل تنمية السياحة الداخلية.
رقم نصف مليون سائح من بني جلدتنا ممن استقطبتهم خدمات أفضل، و وجهات سياحية تستوفي المعايير وبأسعار جد مناسبة، يأتي في ظل الغلاء المستفز لسعر المبيت في الفنادق المغربية، وتدني خدمة عدد من القطاعات المرتبطة بالسياحة التي راهنّا عليها اقتصاديًا، دون أن نوفر لها ما يُعينها على كسب هذا الرهان.
لن نخوض في التفاصيل التي تجعل نسبة معتبرة من السياح الأجانب ينفرون من زيارة المغرب، وهي تفاصيل ترجع بالأساس إلى طبيعة مدننا وطرقاتنا، والوضع المخجل لعدد من معالمنا السياحية، لكن الجواب الذي نبحث عنه، هو ذاته الذي يجعل عشرات الآلاف من المغاربة يقصدون وجهات أوروبية تقدم عروضًا تنافسية تتيح للأسر قضاء عطلة دون تحمل الكلفة الباهظة للفنادق، ودون استنزاف ميزانيتها بمطاعم تقدم قارورة ماء معدني بسعر فلكي، أو تجعلك تتناول وجبات خفيفة بسعر وليمة، ودون الخضوع لابتزاز محطات الوقوف والمتسولين.
كل هذه العوامل المجتمعة المرتبطة بالأسعار، إذا ما أضيفت لها طبيعة الخدمة، وتنوع العرض السياحي إلى حد التخمة، ستجعل المواطن المغربي الراغب في قضاء العطلة يقرر التوجه نحو الضفة الأخرى دون تفكير، وهو أمر باتت تتشاطره شريحة واسعة من الأسر، لنحصل في النهاية على رقم يتجاوز نصف المليون في إسبانيا فقط.
الغريب أن هذا الرقم، بكل ما يعنيه من استنزاف لاحتياطي العملة الصعبة، وضياع لآلاف من فرص الشغل، لم يحرك في الحكومة، ومعها وزارة السياحة، أي مشاعر قلق أو حسرة، وبالتالي يحق لنا أن نتساءل: كيف نواصل الادعاء بأننا بلد سياحي، في الوقت الذي يهرب فيه عشرات الآلاف من المغاربة لقضاء عطلتهم في بلدان أخرى…
يكفي أن توفّر للسياح فضاءات مناسبة، ومجهزة، ونظيفة، وأسعارًا معقولة وتنافسية، وخدمة جدّ جيدة، وهذه هي الدعاية الحقيقية التي تشرح لنا بـ”الخشيبات” كيف أن جارتنا تجني من جيوب السياح المغاربة 550 مليار سنتيم سنويًا، وهو رقم له دلالته وآثاره الاقتصادية. أما الذين يتباكون اليوم على التشهير بغلاء مدن الشمال، فعليهم فقط أن يعاينوا فاتورة “الشفنجة” السحرية التي تُباع بـ15 درهمًا للحبة الواحدة، ليقتنعوا بأن عدوى السي أخنوش، الذي يستمتع بعطلته في جزيرة “سردينيا” الإيطالية قد أصابتنا جميعًا، وصرنا ننهش جيوب بعضنا دون رحمة.
طبيعي إذن أن يفضل هؤلاء قضاء العطلة في بلد لا يبعد عنا سوى بكيلومترات قليلة، لكن تفصلنا عنه قرون في مجال الخدمة، والبنية التحتية، وأساسًا قائمة الأسعار التي تجعل العطلة بالمغرب استنزافًا حقيقيًا، بفعل الغلاء الفاحش، ومظاهر الابتزاز التي تبتدئ بمواقف سيارات تُشهر في وجهك أثمنة صادمة تنطلق من 10 دراهم لتصل إلى حدود 20 درهمًا، في كل توقف، مرفقة بجملة: “خلّصني بغيت نمشي”.
لن ننسى طبعًا مصاريف الطريق السيار الفادحة، والخوف من “الكريساج”، والبؤس الذي يطاردك في كل يوم من أيام العطلة بفعل غياب النظافة، وفوضى السير، والضجيج، وجحافل المتوسلين والبائعين الذين يرفعون في وجهك عبارتهم الشهيرة: “تعاون معانا”، التي تدل على إفلاس سياساتنا العمومية، بل وإفلاسنا كمجتمع وكبلد.
هذا جزء يسير فقط من الأسباب التي تُفسر هروب مئات الآلاف إلى الخارج لقضاء عطلة حقيقية.
كما أنها ذات الأسباب التي تجعل آلاف المغاربة يقررون الهرب بشكل نهائي.







