مع اقتراب الدخول المدرسي 2024-2025، تعود المخاوف لتثقل كاهل الأسر المغربية، ليس فقط من رهبة عودة الأبناء إلى الفصول، بل من أعباء مالية متزايدة تجعل شتنبر شهرا استثنائيا من حيث الضغط على ميزانيات العائلات. فبينما تُظهر الأرقام الرسمية تراجع معدلات التضخم إلى مستويات منخفضة، يبقى التعليم أحد أكثر الأبواب استنزافا للقدرة الشرائية، في ظل غياب حلول حكومية ناجعة تخفف العبء عن الأسر.
في جولة قصيرة داخل مكتبة بحي يعقوب المنصور في الرباط، كان المشهد كافيا لالتقاط صورة عن الأزمة. آباء يتفقدون لوائح الكتب التي تتجاوز 1000 درهم، وأمهات يحاولن المقارنة بين الأسعار. أحد الآباء قال للبائع متحسرا “آش هاد لغلا كتاب ديال الرياضيات بـ 120 درهم؟” فيما علقت سيدة أربعينية “هاد الشهر بحال شي “كوشمار”.. ما كاين لا عيد لا عطلة، غير المصاريف فوق المصاريف”.
في الأحياء الشعبية كما في أحياء الطبقة الوسطى، ارتفعت أصوات أولياء الأمور متذمرة من ارتفاع أسعار الكتب والمقررات التي وصلت في بعض المستويات الابتدائية إلى 1200 درهم، بينما تتجاوز فاتورة رسوم التسجيل والتأمين في المدارس الخصوصية 2000 درهم. وإذا كان التعليم العمومي يوصف على الورق بالمجاني، فإن المحفظة وحدها تكلف في المتوسط بين 800 و1000 درهم، ناهيك عن الدروس الخصوصية التي أصبحت بالنسبة للكثيرين ضرورة لا مفر منها، بعدما تراجع أداء المدرسة العمومية.

المعادلة تبدو أكثر مأساوية حين يتعلق الأمر بالقطاع الخصوصي، الذي بات الوجهة “الاضطرارية” لفئة واسعة من الأسر التي فقدت ثقتها في التعليم العمومي. أغلب المؤسسات الخاصة أعلنت عن زيادات جديدة تراوحت بين 100 و150 درهما شهريا، ليتجاوز معدل الأقساط 1400 درهم للتلميذ الواحد. أسرة من أربعة أفراد قد تجد نفسها مطالبة بأداء ما يناهز 6000 درهم شهريا فقط مقابل التمدرس، وهو ما يعادل دخل موظف متوسط. هذا الوضع دفع كثيرا من الأسر إلى البحث عن قروض استهلاكية لتغطية تكاليف المدرسة، في مشهد يختزل عمق الأزمة.
محمد، موظف في إدارة عمومية بالرباط، يقول إن دخله الذي لا يتجاوز 7500 درهم لم يعد يكفي حتى منتصف الشهر “دفعتُ أزيد من 4000 درهم فقط لرسوم التسجيل والكتب لابنيّ في التعليم الخصوصي. حاولت هذا العام أن أعيدهما إلى المدرسة العمومية، لكن الأقسام مكتظة والبرامج لا تشجع”. شهادته ليست استثناءً، بل انعكاس لحال آلاف الأسر التي تجد نفسها عالقة بين مطرقة الغلاء وسندان تراجع المدرسة العمومية.
أمينة، ربة بيت من سلا، اختارت تسجيل ابنتها في مؤسسة عمومية قريبة، لكنها تشتكي “القسم في العمومي كيوصل تال 47 تلميذ خصوصا فالاحياء الشعبية.. البنت مغتستافد والو، وفاللخر خاصني نزيدها السوايع ب 500 درهم فالشهر”. شهادات من هذا النوع تعكس كيف تحولت الدروس الخصوصية إلى امتداد إلزامي للعملية التعليمية، حتى بالنسبة لأسر كانت تراهن على “مجانية” التعليم العمومي.

من جهتهم يؤكد الخبراء الاقتصاديون أن هذه الوضعية ليست معزولة، بل مرتبطة بارتفاع عام في الأسعار يضغط على القدرة الشرائية. الخبير الاقتصادي محمد الرهطوط اعتبر في حديث لـ “نيشان” أن “التعليم تحول إلى أحد أكبر أبواب الاستنزاف المالي للأسر، إذ صار يمثل ما بين 20% و30% من إجمالي النفقات”، مشيرا إلى أن ذلك يترجم عجز الحكومة عن إيجاد آليات لتخفيف العبء، مثل خصم المصاريف الدراسية من الضريبة على الدخل أو دعم فعلي للكتب واللوازم، وهي سياسات معمول بها في دول قريبة من المغرب.
من جانبه، يحذر الخبير التربوي عبد الله كزول من أن استمرار الوضع على ما هو عليه “سيعمق الفوارق الطبقية في التعليم”، موضحا أن “المقررات الثقيلة والبرامج غير المتكاملة تجعل الأسر مضطرة للجوء إلى الدروس الخصوصية، وهو ما يحول المدرسة إلى مجرد فضاء إداري لا يحقق هدفه الأساسي”. ويضيف أن إدماج الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا التعليم قد يخفف من هذه الأزمة، “لكن الحكومة تتعامل مع الأمر ببطء شديد، مكتفية بشعارات عن خارطة طريق تمتد إلى 2030، بينما المشكل اليومي لا يحتمل التأجيل”.

في السياق ذاته، تكشف الأرقام أيضا عن اتجاه مقلق، نسبة الإنفاق على التعليم ارتفعت بشكل صاروخي منذ بداية الألفية، إذ انتقلت من 1200 درهم إلى أكثر من 4000 درهم في المتوسط للأسرة، حسب دراسات رسمية. ومع ذلك، لم يتحسن مردود المدرسة العمومية، بل تراجعت الثقة فيها إلى حد أن أكثر من 70% من الأسر في بعض الأحياء الراقية بالدار البيضاء توجه أبناءها مباشرة نحو التعليم الخصوصي، رغم التكلفة الباهظة.
في المقابل، لا تقدم الحكومة سوى مبادرات محدودة مثل برنامج “مليون محفظة”، الذي لا يغطي سوى جزء ضئيل من التلاميذ، ويُستغل في كثير من الأحيان كورقة سياسية أكثر من كونه سياسة عمومية مستدامة. أما وزارة التربية الوطنية، فتفضل التلويح بأنها غير مسؤولة عن الرسوم في القطاع الخاص بدعوى أنها شأن تجاري، وهو ما يثير استغراب المتتبعين، باعتبار أن التعليم خدمة عمومية مرتبطة بمستقبل المجتمع.
النتيجة أن الدخول المدرسي المقبل يطل على المغاربة محملا بقلق متجدد. تلاميذ مثقلون بحقائب تفوق أوزانهم أحيانا، وأسر مثقلة بديون ومصاريف متراكمة، ونظام تعليمي يبحث عن نفسه بين العمومي المتعثر والخصوصي المتوحش. ومع كل هذا، لا يبدو أن الحكومة قادرة أو راغبة في فتح نقاش وطني حقيقي حول نموذج تعليمي أكثر عدلا وكلفة أقل، قادر على مواكبة التحولات العالمية وفي مقدمتها ثورة الذكاء الاصطناعي.






