دعا حزب فدرالية اليسار الديمقراطي إلى أرشفة عمليات الاقتراع ومحاضر مكاتب التصويت واللجان المركزية لدى «أرشيف المغرب» وإخضاعها لمقتضيات قانون الأرشيف، باعتبار أن حفظ الذاكرة الانتخابية جزء من صيانة الثقة العامة وتمكين البحث والتقييم والمساءلة. جاء ذلك ضمن مذكرة مفصلة قدّمها الحزب إلى وزارة الداخلية بشأن الإطار المنظم للانتخابات التشريعية المقررة في شتنبر 2026، تضمّنت حزمة مقترحات إصلاحية شاملة اعتبرتها الفيدرالية شرطًا لإعادة الاعتبار للعملية الانتخابية وربط القرار السياسي فعليًا بصناديق الاقتراع.
المذكرة، التي تتوفر نيشان على نظير منها، انطلقت من خلاصات تقارير ملاحظة وطنية ودولية سجلت انتشارًا «غير مسبوق» لشراء الأصوات وتدخل بعض أعوان الإدارة، بينها ما أورده المجلس الوطني لحقوق الإنسان وبعثة الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا التي أشارت حتى إلى «محاولة ملموسة» لشراء أصوات في العاصمة الرباط. وبالنسبة للفيدرالية، فإن «القطع مع وصاية السلطة التنفيذية على الانتخابات» يظل المدخل الحقيقي لبناء شرعية مؤسسات تستند إلى الإرادة الشعبية.
وفي هذا السياق، يقترح الحزب إحداث «هيئة مستقلة للإشراف على الانتخابات» تتولى تدبير مختلف مراحلها بعيدًا عن وزارة الداخلية، مع إعادة توزيع اختصاصات البت في المنازعات الانتخابية بين المحكمة الدستورية والقضاء الإداري والعادي حسب التخصص والنجاعة. كما أوصت المذكرة بتوسيع حالات التنافي لتشمل رئاسة الجماعات المحلية بمختلف أحجامها والغرف المهنية ورئاسة مؤسسات الحكامة، مع منع الترشح عن كل من صدرت في حقه أحكام قضائية أو غرامات مالية من المجلس الأعلى للحسابات أو تخلّف عن إيداع حساب مصاريف الحملة.
وفي ما يخص اللوائح الانتخابية، شددت الفيدرالية على اعتماد التسجيل التلقائي انطلاقًا من قواعد البيانات الإدارية (الأمن الوطني، الحالة المدنية، الداخلية، الخارجية)، مع ضمان حق التصويت لكل المواطنين البالغين داخل الوطن وخارجه، وإدراج من سيبلغون سن الرشد القانوني قبل موعد الانتخابات بثلاثة أشهر. ولفتت إلى أنّ عدد غير المقيدين لا يقل عن سبعة ملايين، بينهم نسبة معتبرة من الجالية، داعية إلى تيسير التسجيل عبر المنصات الإلكترونية أو لدى السلطات المحلية.
وبخصوص التقطيع الانتخابي، قدّمت الفيدرالية مقترحًا جذريًا باعتماد «دائرة انتخابية وطنية» موحدة لمجلس النواب، بما يحدّ من سطوة المال ويضمن تكافؤ الفرص بين الأحزاب، على أن يشمل نظام المناصفة الكاملة بين النساء والرجال، مع تمثيلية لمغاربة العالم. وفي حال الإبقاء على الدوائر الجهوية، طالبت بتوزيع المقاعد على أساس ديمغرافي دقيق وفق إحصاء 2024، مع عدم تجاوز تفاوت 5% بين الدوائر داخل الجهة الواحدة.
المذكرة توقفت أيضًا عند مسطرة الترشيحات، إذ أوصت برقمنة المسار عبر منصة إلكترونية مخصصة تُمكّن وكلاء اللوائح من إيداع ملفاتهم بسهولة، إلى جانب إخضاع الإعلام العمومي لمبدأ الإنصاف في التغطية، وتشديد الرقابة على المال الانتخابي، وتجريم استعمال برامج الدولة أو تجهيزاتها لاستمالة الناخبين. كما دعت إلى وضع نموذج محاسباتي مبسط لمصاريف الحملة مع نظام دعم مسبق يربط قيمة التمويل العمومي بعدد الدوائر المغطاة ونسبة تمثيلية النساء والشباب.
أما على مستوى يوم الاقتراع، فقد أوصت الفيدرالية باختيار تاريخ مناسب بعيد عن العطل المدرسية، وإشعار الناخبين مسبقًا بأماكن التصويت، وتحسين ورقة الاقتراع، وضمان مشاركة مغاربة الخارج عبر آليات عملية كالتصويت الإلكتروني أو البريدي. كما شددت على ضرورة نشر النتائج في الجريدة الرسمية في ظرف 48 ساعة من إعلانها، بما يعزز الشفافية ويسهل المسار الطعني.
وفي جانب المنازعات الانتخابية، طالبت المذكرة بتحديد الحالات التي توجب بطلان الاقتراع وتسريع البت في الطعون، مع الاعتراف بتقارير المراقبين المستقلين كوسائل إثبات، وفتح باب الطعن في حالة رفض اعتمادهم، بل وإمكانية إلغاء نتائج أي مكتب تصويت إذا ثبت تضييق رئيسه على أعمال المراقبة.
وبهذه الحزمة، رسمت فيدرالية اليسار الديمقراطي خريطة طريق انتخابية تستند إلى استقلالية الإشراف، صرامة القواعد القانونية، وشفافية الإجراءات، من التسجيل التلقائي وتدقيق اللوائح، إلى إعلان النتائج في آجال محددة وأرشفة العملية الانتخابية، مؤكدة أنّ الإصلاح الحقيقي يكمن في استعادة ثقة الناخب المغربي وصون إرادته من المال والنفوذ.







