قال مفكر غربي معاصر لا تسعفني الذاكرة حاليا في استحضار إسمه : ” الحدود التي لا يخترقها الأشخاص ولا تعبرها السلع هي حدود سيداهمها العسكر حتما في يوم من الأيام.”
و منذ رصدي لهذا التصريح ـ الذي لا يحتمل أكثر من تأويل واحد والذي يستحق أن يصنف ضمن الأقوال المأثورة ـ ويدي على قلبي توجسا مما يمكن أن تفضي إليه حالة الجمود الرهيبة التي تسم حدودنا البرية مع الجارة الشرقية.
لقد خلق الله الإنسان ليعيش ويتفاعل مع غيره ، ولنفس الغاية وجدت الشعوب والقبائل على اختلاف أصولها
و خصائصها الإثنية والجينية واللغوية والثقافية. لهذا السبب فإنه من غير الطبيعي أن يعيش أي مجتمع بشري مهما ارتفعت درجة اكتفائه الذاتي على كل الأصعدة بمعزل عن المجتمعات الأخرى وخاصة تلك المحيطة به مباشرة. ولهذا السبب أيضا لا يمكن لبلد جار أن يظل مجرد إسم على خارطة في أذهان أهالي البلدان المجاورة له، بل لا بد من إقامة حد أدنى من التواصل الإنساني والتبادل التجاري معه حتى لا يتحول التجاهل المتبادل إلى لغم قابل للانفجار في أية لحظة وربما لأتفه الأسباب. وحتى عندما اهتدى الإنسان إلى رسم الحدود الدولية وإقامة المعابر بمعناها الحديث لم يكن الهدف هو منع تنقل الأشخاص وتدفق السلع بل كان المقصود هو تقنين العبور بما يخدم مصالح البلدان المتجاورة في زمن تتطور فيه الأنشطة الاقتصادية وتتعقد فيه الإجراءات الأمنية والجمركية يوما بعد يوم.
وعالمنا المعاصر مليء بالأمثلة المجسدة للمقاربة العقلانية لما يجب أن تكون عليه علاقات الجوار الدولية. وهكذا،
و على الرغم من اختلاف الرؤى بين الولايات المتحدة الأمريكية وكندا بشأن أكثر من موضوع، وعلى الرغم من تدهور العلاقات الرسمية بينهما من حين لآخر فإننا لم نسمع قط بإغلاق الحدود بين البلدين بل إن الكنديين بشكل خاص يعتبرون الجار الجنوبي امتدادا طبيعيا لبلدهم، وبين الوقت الذي شرعت فيه عزيزي القارئ في قراءة هذا المقال والوقت الذي ستصل فيه إلى نقطة النهاية ستكون عشرات السيارات الخصوصية وعشرات الحافلات السياحية وعشرات الشاحنات التجارية العملاقة قد اجتازت هذه الحدود في الاتجاهين. والملاحظة نفسها تسري على الحدود الأمريكية المكسيكية التي لم يطلها الإغلاق أبدا منذ تأسيس الدولتين بالرغم من أنها ما فتئت تشكل مصدر قلق وانزعاج لسلطات البلدين بحكم ما تعرفه من تدفق دائم للمهاجرين غير الشرعيين المصرين على الاستقرار ببلاد العم سام مهما كلفتهم مغامراتهم من ثمن.
و على الرغم من التوتر الدائم الذي يطبع العلاقات التركية اليونانية والذي يجد تفسيره في تاريخ المنطقة ورواسب الماضي وخصوصيات الشعبين الشيء الذي كاد يزج بالبلدين في حرب جديدة في أكثر من مناسبة خلال تاريخ المنطقة الحديث فإن حدودهما البرية ظلت على الدوام نقطة للالتقاء والتواصل والتبادل. وحتى الحدود الفاصلة بين إسرائيل والأراضي الخاضعة للسلطة الفلسطينية والتي يلجأ الصهاينة إلى إغلاقها بين الفينة والأخرى لأسباب معروفة فإنها تظل في أغلب الأحيان مفتوحة في وجه كل من يرغب في عبورها من الجانبين على الرغم من أن المنطقة تعرف حالة طوارئ دائمة وتعيش على إيقاع حرب متقطعة منذ عقود من الزمن وذلك إيمانا من الفرقاء بأن إغلاق المعابر من شأنه تعطيل المصالح الثنائية المشتركة وإعداد الأوضاع لانفجار أكبر ومآسي إنسانية أفظع.
أما جدار برلين فعلى الرغم من صلابته والإجراءات الأمنية الاستثنائية التي عرفها طوال مدة انتصابه فقد سقط في نهاية المطاف وبسقوطه استعادت ألمانيا وحدتها ودخل تاريخ العالم مرحلة جديدة. وهذا الانهيار لم يكن بفعل تحرك الجرافات الضخمة أو بفعل العمليات العسكرية المنظمة بقدر ما كان نتيجة حتمية لنفاذ صبر “الشعبين” المعنيين ورفضهما تطبيع حدود اصطناعية أججت الحرب الباردة وأنعشت الإنتاج الروائي التجسسي لا غير.
ما أحوجنا اليوم بمنطقتنا إلى التحلي بالحكمة وبعد النظر وتغليب منطق المصالح المشتركة التي من المفترض أن تكون هي الموجه الحقيقي للعلاقات بين الدول. ألم يقل أحدهم يوما ما : “ليس هناك صديق دائم وليس هناك عدو دائم إنما هناك مصالح مشتركة” ؟ أما الانزواء والتقوقع فلن يجلبا سوى المزيد من التخلف الاقتصادي والفقر الثقافي، ورفض فتح الحدود من جديد إنما يكرس حالة التوتر والاحتقان القائمة والتي طالت أكثر من اللازم . الوقت لم يعد يسمح بالاستمرار في تحميل هذه الجهة أو تلك مسؤولية ما هو حاصل خاصة عندما نعلم بأن أجيال الاستقلال المتتالية لا يد لها ولا ذنب لها في هذه الأزمة المزمنة.
و طبعا التقارب بين القوتين الإقليميتين لن يتأتى بالاستمرار في إنتاج وترويج الفيديوهات المسيئة لهذا الطرف أو ذاك والمستخفة بذكاء هذا الشعب أو ذاك أو في تناسل المقالات “الأكاديمية” الفاقدة في الغالب للمصداقية والموضوعية (متى ارتبط البحث الأكاديمي الرصين بالازدراء والاحتقار وبما يشبه السب والشتم أيضا؟). بعبارة أخرى، إذابة الجليد المتراكم لا تكون بالتصعيد.
و مهما كانت السلبيات التي ستفرزها حتما عمليات العبور اليومية بين بلدينا ستظل الإيجابيات حجة كافية لإبقاء الحدود مفتوحة على الدوام. فالمشاكل الطبيعية تبقى طبيعية ومن المستبعد جدا أن تتحول إلى شيء آخر في حين تبقى المشاكل الخارجة عن المألوف قنبلة موقوتة وحتى إذا لم يكتب لها الانفجار فستظل على الأقل مصدر رعب دائم. وبغض النظر عن المنافع والمشاريع الإقليمية الكبرى التي من المحتمل أن يفرزها فتح الحدود على المدى المتوسط أو البعيد فإن الأهم يظل هو إحياء صلة الرحم بين الشعبين وفسح المجال من جديد لتلاقحهما بشريا واجتماعيا وثقافيا ونفخ حياة جديدة في المناطق الحدودية من خلال إنعاش اقتصادها. أما إذا ظلت الحدود غير قابلة للاختراق ففي ذلك خسارة من المؤسف تصورها ومن السهل تحديد حجمها.
إن أجيالا بأكملها من أبناء البلدين أدت ومازالت تؤدي ضريبة هذا الوضع النشاز والنادر. فمعظم الجزائريين غير قادرين اليوم على ذكر إسم روائي مغربي واحد أو إسم مخرج سينمائي مغربي واحد أو إسم ممثل تلفزيوني مغربي واحد … والعكس صحيح أيضا. وهناك من المغاربة من يربط إسم الجزائر بالغاز وموسيقى الراي فقط ولا يعلم بأن إسم البلاد هو نفسه إسم العاصمة، وهناك من الجزائريين من يربط صورة المغرب بالسياحة وإنجازات فوزي لقجع فقط ولا يعلم بأن “كازا” هي الدارالبيضاء، وهذا بكل تأكيد وضع غريب سيزيد ـ إذا ما استمر ـ في تعميق الهوة بين الشعبين وحضارتيهما ولهجتيهما ومقاربتيهما للمشاكل الإقليمية. ولعل ما يدعو للاستغراب أكثر أن يضطر المواطن الوجدي الراغب في زيارة تلمسان المتواجدة على مرمى حجر من مقر سكناه إلى الانتقال إلى الدارالبيضاء أولا ثم السفر جوا في اتجاه تونس أو باريس ثم إلى وهران ومنها إلى وجهته النهائية برا مع العلم بأننا لسنا هنا بصدد الحديث عن الحدود الفاصلة بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية والموسومة بتناقضات سياسية عميقة أو الحدود البحرية الفاصلة بين الولايات المتحدة الأمريكية وجزيرة كوبا والمطبوعة أمواجها بهيجان أيديولوجي مزمن بل الأمر يتعلق ببلدين خاضا حرب استقلالهما على أمل التضامن والتكامل ليجد كل واحد منهما نفسه بعد ذلك على طريق بلا رفيق مانحين بهذا السلوك الفرصة لأقوياء هذا العالم لاستصغارنا واحتقارنا.
وبعد كل ما سبق ذكره أظن بأنه من البديهي الإقرار بأن الحديث عن اتحاد المغرب الكبير في ظل الظروف الراهنة سيظل مجرد حبر على ورق وستظل الاجتماعات التي تعقدها مؤسساته بين الفينة والأخرى مجرد فرصة للسياحة
و تزجية الوقت وتبادل مختلف أصناف المجاملات لأن واقع الحال يقول بأن قطار هذه المنظمة الإقليمية لم يغادر نقطة انطلاقه أبدا ولن يكون بوسعه التحرك والتقدم إلا بعد عودة الحياة إلى العلاقات المغربية الجزائرية اللهم إلا إذا كان لباقي أعضاء الاتحاد اقتناع بأن بناء الصرح المغاربي ممكن في غياب المغرب أو الجزائر أو هما معا.
الفاعلون الإيجابيون من ذوي النوايا الطيبة مدعوون اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، إلى التحرك بإسم الجماهير بالبلدين على أمل أن تفلح الدبلوماسية الحزبية والبرلمانية والرياضية والفنية والجامعية والثقافية والسياحية في ما فشلت فيه الدبلوماسية التقليدية مع اقتناعي بأن حلحلة مشاكلنا ليست بيد منظمة الاتحاد الإفريقي أو هيئة الأمم المتحدة بقدر ما هي بيد الضمائر الحية بمنطقتنا. أتمنى ذلك من أعماق قلبي، كما أتمنى ألا تفتح الحدود لتغلق من جديد من هذا الجانب أو ذاك مهما كانت طبيعة الذريعة. إننا في حاجة إلى طريق مفتوحة توحي بالحياة والأمل وليس إلى قاعة انتظار تبعث أجواءها على السخط والملل.
حدود لا تشبه باقي الحدود







