عناوين مقلقة قبل التفصيل في القول
مستخدم شركة أمن خاص يتحكم في الولوج إلى المستشفى يمكن أن يصبح مرتشيا. طبيب أو ممرض أو مسؤول مختبر يغيب دون مبرر. لا يوجد قانون يسمح بهجرة غير شرعية وسرية لأطر مستشفى عمومي إلى المصحات الخاصة. غياب الاطر الطبية يؤدي إلى أعطال التجهيزات المكلفة. مستعجلات في غياب العنصر البشري. حماية الهاربين من الواجب عبر تغييب المراقبة والمتابعة والمحاسبة. تراجع التأطير لطلبة الطب داخل المستشفى بسبب تغيب بعض الأساتذة . كل هذه الأعمال تشكل جنحا وجرائما يجب أن تخضع للقانون ويحسم فيها القضاء. استاذ مبرز يكتفي بتقاعد يتجاوز 55 الف درهم، وغيره يطلب المزيد . تحية لشرفاء الواجب المهني الذين يستحقون الإنصاف بتحقيق مطالبهم المشروعة. وزراء يتحركون لإطفاء الحريق وليس لصنع إستراتيجية .
لا يمكن أن يتجاهل أي مسؤول أن حق أغلبية المواطنين للولوج إلى الصحة ” مهضوم، مهضوم، مهضوم…يا ولدي”. ويكاد يزيغ قول الشاعر نزار عن هذا المسار للتأكيد على أنه شبه ” معدوم…معدوم يا وطني “. ارتكبت فعل كتابة مقال عن ” الحكامة، والأمانة والخيانة” التي يعيق وجودها أو غيابها الوصول إلى هدف تمتيع المواطن بحق يضمن قدرته على العمل لضمان عيش، ولو لم يكن كريما، ولكن يمكنه من أن يشعر ” جزئيا” بوجود دولة ترعاه، و تحميه ضد هيجان من يريدون تحويل الصحة كلها إلى سوق يهيمن عليها المال. ولم أقاوم الرغبة في وصفها بسوق ” العبيد” الذين يعملون كثيرا، وخارج كل الضمانات، لكي يوفروا لليوم الأسود الذي يتطلب منهم التضحية بكل مدخراتهم، واللجوء إلى الاقتراض لإجراء فحص أو الحصول على خدمة طبية. وعلى كل من يشك في هذا ” الهذيان أو الجنون” الذهاب إلى أبواب المستشفيات.
لا يمكن أن ننكر أن الدولة تملكت الوعي بأهمية الصحة العامة، وعلى الخصوص الصحة العمومية. ولا يمكن أن ننكر المجهودات المالية التي صاحبت تطوير البنيات الصحية على مدى عقود من الزمن. وأعود وأكرر أن المشكلة ليست فقط في الأدوية والتجهيزات والمرافق، إنها بالأساس مرتبطة بالعنصر البشري المختص في مجال العلاج.
صدق ذلك المواطن الذي أجبر وزير الصحة على سماع كلماته الصادقة والمعبرة عن مأساة حقيقية تسود قطاعنا الصحي. وصل الوزير والعامل وكبار الموظفين إلى مستشفى الدرويش بالريف. وجد مجموعة من العاملين بالمستشفى ببزاتهم البيضاء. صرخ المواطن المذكور أن من حضروا لا يعرفهم كمواظبين على التواجد بالمستشفى، وأكد أن طبيبة واحدة من بينهم هي التي يلجأ إليها المرضى. وأصر هذا المواطن على إسماع صوته رغم محاولات الوفد الرسمي إسكاته.
بدأت معضلة تشابك مصالح كثير من المصحات مع الموارد البشرية العاملة بالمستشفى العمومي قبل سنين كثيرة. كان الأساتذة المبرزون، والأساتذة في الطب حاضرون بهمة ومسؤولية في كافة المصالح الموكلة إليهم. كانوا أول من يصل إلى المستشفى الجامعي للسهر على تكوين الأطباء وتقديم العلاجات للمرضى. وكانت مداخيلهم متواضعة بالمقارنة مع مكانتهم العلمية والمهنية. وكان كثير من المواطنين يستشهدون بكفاءة الأساتذة الأطباء في كافة التخصصات، وكذلك بجديتهم وأخلاقهم والتزامهم بروح المرفق العمومي. ارتأى الملك الراحل، الحسن الثاني أن يفتح لهم بابا للحصول على تعويضات عبر أداء خدمات في ” مصحات جامعية” كان من المفروض أن يتم إنجازها قبل أو بعد سنة 1996. لم تنجز هذه المصحات، وأستمر الأساتذة في الإستفادة المحدودة زمنيا من العمل في مصحات خاصة. وكان السند القانوني يتمثل في مقتضيات الظهير 94-10 لسنة 1996. وسيأتي القانون 13-131 ليلغي ما قبله من رخص في مجال ممارسة الطب داخل القطاع الخاص من طرف مهنيي القطاع. لكن هذا الوضع القانوني لم ينهي الوضع على أرض الواقع. تعدى الأمر الأساتذة المبرزين والأساتذة، ليشمل تقريبا كل المهن الطبية، وكل الدرجات الوظيفية. وتحول غياب قانون ينظم إعطاء نصف يومين أسبوعيا إلى فوضى حولت الهروب من المستشفى، بالنسبة لبعض مهنيي الطب، من كافة الدرجات، إلى سلوك لا أخلاقي ضرب المنظومة الصحية في العمق. حاول بعض الوزراء، وأكثرهم الحاحا، كان البروفسور لحسن الوردي، كما كان قبله أساتذة وزراء مثل الراحلين د رمزي ود الهاروشي وآخرون من الشرفاء، أن يطبق القانون حفاظا على حق المواطن في الولوج إلى العلاجات، فتحالفت ضده لوبيات وأصحاب مصالح. حاول فتح ملف إرتفاع أسعار الأدوية، ولا زال الملف غير مغلق رغم ما تم تحقيقه من تخفيضات لأسعار الأدوية، والمستلزمات الطبية. ولا زال أسعارنا أغلى من أسعار فرنسا وإسبانيا وسويسرا وكثير من الدول العربية.
و يجب أن نربط كل عاهات المستشفى العمومي بالحكامة، وبالأخص في مجال تدبير الموارد البشرية. تفرجت حكومات متعددة، وسلطات ترابية على المستشفى العمومي وهو يتعرض لهجوم على موارده البشرية، وظل الصمت المدوي، والتواطؤ الفئوي سيد كل المواقف. ظل البعض يشتكي من غياب التجهيزات، وتجاهل الجميع أن كل الوسائل لا يمكن أن تصمد أمام غياب المسؤول الطبي. يقف صاحب المصحة بصرامة ليحمي تجهيزاته، بما فيها مختبرات التحليلات الطبية، وآليات التصوير المغناطيسي وغيرها مما يكلف عشرات الملايين. وتتعرض نفس التجهيزات للإعطاب في غياب المسؤول على تدبيرها ومتابعة صيانتها الدورية. فتتوقف عن العمل، ويضطر من حضر من الأطباء إلى تأجيل المواعيد أو إلى إجبار المريض للجوء للقطاع الخاص. وهكذا يطول إنتظار موعد في مستشفى إلى أن يتحول إلى موعد مع قدر محتوم.
لا يمكن أن نعتبر المستشفى العمومي بنية تتعثر بسبب غياب الوسائل، ولكن بسبب مرض مزمن أصابها في عنصرها البشري. يؤكد الجميع أن ما لدينا من أطباء وممرضين لا يتطابق مع معايير منظمة الصحة العالمية. ويمكن القول بأن هذه المعادلة غير كافية لتفسير الفوضى التي أصابت الخدمة الصحية العمومية في بلادنا. وأرجع لأؤكد لكل من يشك في هذا الكلام أن يزور ليلا أو نهارا المستشفيات التي توجد في محيطه القريب، لكي يعرف الحقيقة.
و يوجد حل بسيط لهذه المعضلة يكمن في إجبار جميع المصحات والمستشفيات الخاصة على توفير الوسائل البشرية قبل افتتاحها. ويمكن لهذه المؤسسات الخاصة التي تتوسع شبكتها في الكثير من المدن أن توظف من شاء من موظفي القطاع العام، مع إعطاء الفرصة لكل ممارسي الهروب من المستشفى العمومي ليقدموا استقالتهم من القطاع العام. ويمكن التأكيد على أن هذا القطاع الخاص لن يقبل هذا الحل نظرا لقدرته الاستيعابية المحدودة، ولاعتماده على موارد بشرية لا تكلفه الكثير.
يجب أن تواجه الدولة هذا المرض العضال الذي ينتشر بسرعة في جسم المنظومة الصحية، وأن يتم وضع حد للنفاق الذي يشوه النقاش حول التوازنات الإجتماعية للبلاد. كثير من ممارسي الهروب خلسة من واجبهم المهني يحبون اللعب على حبلين. يحبون المحافظة على موقع في القطاع العام ويستغلون الفراغ القانوني لزيادة دخلهم بشكل غير مشروع. ويوجهون في نفس الوقت سهام نقدهم الكاذب للدولة التي لا توفر الوسائل . كثير من المنافقين يخفون حقائق عن مداخيلهم الحقيقية، والتي أصبحت، بفضل الإجراءات الضريبية مفضوحة. يؤكد الشرفاء من الأساتذة الأطباء، وهم كثر، أن معاش تقاعدهم قد يتجاوز 55 الف درهم، ويظهر أن جشع البعض يسئ إلى مهنة الطب.
يجب أن تعلن الدولة حربا قانونية ضد كل من تسول له نفسه من كافة المهن الطبية، ومن كافة درجاتها، خيانة الأمن الإجتماعي للوطن. يجب أن نعتبر كل طبيب أو ممرض أو مسؤول عن الأجهزة الطبية الذي يهرب من موقعه لغاية مادية، كذلك الجندي الذي تصفه كل قوانين الجندية في العالم بالمتخلي عن واجبه. والأمر يتعلق بكافة الوظائف العمومية التي يعيق عدم القيام بها توازن وتقدم الوطن. لا يليق ببلادنا أن تصبح فيها ممارسة المهن الطبية تخضع لشبه عبودية تمارس على المتدربين من الطلبة وبعض الأطباء الداخليين. كثير من مرتادي مصالح مستعجلات بعض المصحات يجدون أمامهم متدربين أمرهم استاذهم السهر، بالنيابة عنه، رغم حصوله على تعويضات مهمة جلها لا تطالها القاعدة الضريبية. الأمر يتعلق أيضا بممرضين من درجات مختلفة يقضون ليلهم في مصحة ويمضي نهارهم في تثاقل ونرفزة وحاجة إلى نوم عميق. ماذا تنتظر الحكومة للسهر على مراقبة يومية ومستمرة للمستشفيات والمصحات العمومية والخاصة. هناك أنظمة معلومات وكاميرات ووسائل بشرية يمكن أن تساعد على مهام الرقابة. ويمكن للحكومة أن تعيد سيطرة وهيبة الدولة على حماية المستشفيات التي أصبح الأمر الناهي بها موظف بشركة أمن خاصة. وكم من فضيحة سجلتها الصحافة والمواقع الإخبارية عن ما وصل إليه نفوذ بعض مستخدمي شركات الأمن الخاص. وتنقل الكثير من التعليقات الصحفية وتصريحات المواطنين استشراء الرشوة في أبواب المستشفيات. ولقد حان الوقت لوضع نهاية لسلطة الأمن الخاص على المستشفيات، والتي وصلت إلى تعنيف بعض المواطنين.
لقد بلغ السيل الزبى، ووصلت حدة مرض قطاع الصحة إلى كافة أعضاء الجسم. تضرر التكوين والتدريب حتى أصبحت كثير من مدننا وقرانا صحاري طبية رغم وجود مستوصفات ومستشفيات. تحتم هذه الوضعية إعلان ” حالة استثناء أو حالة طوارئ صحية” ضمانا لأمن الوطن والمواطنين. لقد وضع عاهل البلاد مشروعا إستراتيجيا انطلق سنة 2021 لضمان تغطية إجتماعية للمغاربة. ويظل العنصر المؤجل للتحول البنيوي المستهدف هو ذلك الذي يرتبط بضبط وسائل المحاسبة بجدية، مع تكييف الأخطاء بما ينتج عنها من أخطار صحية تصيب المواطن.







