في عزّ الاحتجاجات التي تحاصر اليوم عددًا من مستشفيات المملكة بسبب سوء الخدمات، فضّل الوزير القادم من عالم الحلويات الانخراط في مسرحية رديئة الإخراج، تؤكد من جديد أن هذه الحكومة تجرّ المغرب نحو أزمة بأكثر من رأس.
برادة، الذي استلهم تفكير “ولد زروال”، تظاهر بزيارة مفاجئة لمدرسة ريادة في واحد من أكثر الأحياء الشعبية هشاشة بالعاصمة.
حدث ذلك بعد أن ركب على سؤال.. أو بالأحرى “طلب”، سامح الله من قدّمه تحت قبعة الصحافة، وللحكاية.. وقصة الطلب بقيّة ما دامت القضيّة فيها “مارشي”.
لقد نسي برادة أنه بهذه المسرحية الحامضة لا يكذب فقط على المغاربة، بل وعلى الملك الذي عيّنه في هذا المنصب، ولا سامح الله من رشّح برادة لمنصب وزير ليتلاعب بتعليم أبناء المغاربة.
هل يمكن أن نثق بعد اليوم في وزير يعتقد أن المغاربة “مكلخين” لدرجة أنهم سيصدّقون كل هذا التمثيل “المفروش” الذي رافق الزيارة منذ لحظة الإعلان عنها “تحت الطلب”، في ندوة صحفية جلس فيها برادة وهو يضع قدمًا فوق أخرى لينثر علينا “المصاصات”.
اليوم، تأكد أن مجيء الرجل إلى الوزارة كان واحدة من مصائب هذه الحكومة الكثيرة، بعد أن تبيّن أن كل ما يتقنه هو فرملة تنزيل التزامات الوزارة المالية، وصنع دعاية منفوخة لفقاعة “المدرسة الرائدة”، التي ستنفجر في وجهنا قريبًا بعد تبديد المزيد من الملايير و”تكليخ” أبناء المغاربة بداعي إصلاح التعليم.
في الماضي القريب، كان أبناء المغاربة يتوارثون الملابس والكتب والفقر، ورغم ذلك، نجح الكثيرون في الوصول إلى بر الأمان في بلد لا بدّ لمن “لا كالة له” أن يغرس أظافره في الصخر لكي يفلت من البطالة.
في العهد الذي كانت فيه مؤسسات التعليم الخاص تستقبل فقط ذوي السوابق في الرسوب، وقبيلة الكسالى، والمعطوبين ذهنيًا، ومن يعانون فقرًا في المادة الرمادية، كانت الأسر الشعبية تدين بالولاء للمدرسة العمومية.
كما كان أبناء عموم الشعب يبيعون المقررات المستعملة ويشترون أخرى، أو يتم تبادلها مع دفع فرق بسيط، وكانت حمولة “شكارة” التلميذ لا تتجاوز 150 درهمًا في أسوأ الحالات.
اليوم، ومع بدعة “المدرسة الرائدة”، ومع كل هذا “التبرهيش” الحكومي الذي يطال أولوية وطنية، من حق المغاربة أن يتساءلوا عن بصمات الوزير برادة، بعد أن صار الرجل بقبعاته الكثيرة وتصريحاته الغرائبية، تائهًا وسط حقل ألغام كبير اسمه التعليم.
برادة، ربما وُضِعت تحت قدمه صابونة كبيرة، على شكل كذبة حول معجزات المدرسة الرائدة وصدّقها، قبل أن تتحوّل إلى “حقيقة” لدى بعض مديري الأكاديميات، ممن عيّنهم برادة ليردوا له الجميل بالنفخ في معجزات المدرسة الرائدة.
اليوم، وبعيدًا عن “السلوكية” التي يطلقها برادة في كل مرة يرى فيها ميكروفونًا أمامه، نكتشف أن نزيف الهدر لا يزال متواصلاً، رغم كل الشعارات التي رُفعت، والملايير التي صُرفت، وأن حوالي 300 ألف تلميذ وتلميذة يودّعون فصول الدراسة ليبتلعهم الضياع.
كما نكتشف وجود فصول بأزيد من 60 تلميذًا، ومدارس بدون سور، أو كهرباء، أو مراحيض، في أسوأ دخول مدرسي.
“قنبلة” الهدر المدرسي التي حذّر منها رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي في أكثر من مناسبة، دليل ساطع على أننا نسير خطوة إلى الأمام وثلاث خطوات إلى الوراء في مجالات عدّة، على رأسها التعليم.
وزير التربية، الذي يجد صعوبة في الحديث دون ارتكاب جرائم في حق اللغة العربية، يتعامل بمنطق انتخابي مع أرقام مخيفة… لكن هذا لا يُزعج في بلدٍ صارت فيه ميزانيات التعليم عبارة عن بحيرة فساد بلا ضفاف.
لقد رفع البرنامج الاستعجالي لإصلاح التعليم شعار “محاربة الهدر المدرسي” ضمن أهدافه الكثيرة التي تبخرت، كما تبخرت 37 مليار درهم التي رُصدت له، ضمن عشرات الصفقات الفاسدة والمطبوخة، التي لم نسمع إلى الآن عن أي متورّط أو متهم فيها، باستثناء بعض الموظفين والمسؤولين الصغار.
النتيجة، طبعًا، أن الفاسدين الكبار يواصلون نهب ميزانيات بعشرات ملايير الدراهم بكل أمان، في ظل وجود أحزاب وسياسيين يخوضون معركة شرسة داخل البرلمان حتى يبقى لصوص المال العام بعيدين عن السجن.
لقد عاينا، ومن خلال سلسلة من الفضائح، أن هناك مالاً “سائبًا” في القطاع، علّم بعض الوجوه جميع فنون السرقة.
هؤلاء هم من أجرموا في حق أبناء المغاربة، بعد أن تلاعبوا بميزانيات فلكية كانت تكفي لبناء المدارس وتجهيزها، وإخراج التعليم العمومي من موته السريري.
لكن العكس هو الذي حدث، بعد أن تحوّلت هذه الميزانيات إلى “وزيعة” صنعت لنا فضيحة مدوية عنوانها “البرنامج الاستعجالي”، الذي لا يزال من طبخوا صفقاته الدسمة يتولّون وضع “البهارات” لإعداد صفقات جديدة من داخل وخارج الوزارة، ومن داخل الأكاديميات التي صار يتحكم فيها “مريدو” الشيخ برادة والمتقاعدون من أصحاب التمديدات.
رحم الله زمنًا كنا نحتج فيه بشعار:
“آش قريتونا… قرد، بقرة، برتقال…”
لم نكن ندرك حينها أننا سنرى وزيرا غريبًا، وتعليمًا أغرب، على عهد هذه الحكومة.







