رغم موسم ربيعي مطير بعث في البداية التفاؤل لدى آلاف مربي النحل، وجد قطاع العسل المغربي نفسه هذا العام أمام واحدة من أعتى أزماته. فالأرقام الرسمية الصادرة عن وزارة الفلاحة تكشف عن تراجع كارثي في الإنتاج وصل في بعض المناطق إلى حدود 80%، في مفارقة صادمة بين وفرة الأمطار وندرة العسل.
الأزمة لا تتعلق فقط بمحصول موسمي، بل تهدد نشاطًا حيويًا يشكل مصدر رزق مباشر أو غير مباشر لأكثر من 36 ألف أسرة قروية. فرغم مضاعفة عدد الخلايا إلى نصف مليون خلال السنوات الأخيرة، ظل الإنتاج الوطني يراوح مكانه عند حدود 8 آلاف طن، دون أن يبلغ السقف المأمول وهو 10 آلاف طن، الذي حددته الاستراتيجية الزراعية قبل نحو عقدين.
ويربط الخبراء هذا التراجع بعوامل مناخية متشابكة، أبرزها اضطراب الفصول وتزايد موجات الحر صيفًا، التي تؤثر سلبًا على دورة حياة النحل وتوازن المراعي الطبيعية. كما أن تغير المناخ يعيد رسم الخريطة النباتية ويقيد قدرة النحل على جمع الرحيق، في وقت كان من المفترض أن يشكل التنوع البيئي بالمغرب – من الزعتر وإكليل الجبل والخزامى إلى السدر والخروب – رافعة أساسية لجودة وإنتاجية العسل.
وإذا كان بعض المربين قد لاحظ تحسنًا في جودة أنواع معينة مثل عسل الليمون والمروج العشبية، فإن ذلك لم يخفف من حجم الخسائر الاقتصادية. فتكاليف الإنتاج آخذة في الارتفاع، بينما أسعار البيع لم تواكب هذه الزيادة، ما جعل الكثير من المربين محاصرين بين شح المحصول وتكاليف مرتفعة. يضاف إلى ذلك ضغط المنافسة غير المتكافئة مع منتجات مستوردة وأخرى تُسوق عبر منصات إلكترونية خارج الأطر المنظمة.
ولا تعد هذه الأزمة جديدة على المغرب، فقد سبق أن أثارت قضية اختفاء النحل نقاشاً واسعاً داخل البرلمان في مارس الماضي، حين وجّه الفريق الاشتراكي سؤالاً إلى وزير الفلاحة أحمد البواري بشأن التدابير المتخذة لمواجهة الظاهرة. حينها حذّر النائب مولاي المهدي الفاطمي من الانخفاض المقلق في أعداد النحل، مبرزًا دور المبيدات الحشرية والتغيرات المناخية في تعميق الأزمة، ومطالبًا بسياسات أكثر صرامة لحماية هذا الكائن الحيوي الذي يشكل ضمانة لتوازن المنظومة البيئية والفلاحية. كما كان المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (أونسا) قد أعلن سنة 2022 عن فتح تحقيق في أسباب الظاهرة، واصفًا إياها بأنها “غير مسبوقة” في تاريخ تربية النحل بالمغرب.







