لم تمض سوى أيام قليلة على الخروج الإعلامي لرئيس الحكومة عزيز أخنوش، الذي بشّر المغاربة بموسم فلاحي “استثنائي” ووعد بخلق أكثر من 200 ألف منصب شغل إضافي، حتى جاءت الأرقام لتكذّب الخطاب الرسمي وتكشف واقعاً مغايراً تماماً. المغرب سيستورد ثلثي احتياجاته من القمح اللين من فرنسا، أي ما يعادل 3.5 ملايين طن، لتستمر البلاد في الارتهان لرغيف مستورد رغم مرور أكثر من 15 عاماً على إطلاق “المخطط الأخضر” الذي وُعد المغاربة بأنه سيحقق الاكتفاء الذاتي.
الخبر الذي أعلنت عنه مجموعة “إنتيرسيريال” الفرنسية في مؤتمر بالدار البيضاء، بدا كصفعة سياسية لرئيس الحكومة، الذي لا يزال يقدَّم باعتباره عرّاب السياسات الفلاحية الحالية، منذ أن كان وزيراً للفلاحة. فبينما يتحدث أخنوش عن وفرة الإنتاج وازدهار الحقول، تكشف الوقائع أن المغرب يشتري خبزه من الخارج، وأن القمح الفرنسي بات العمود الفقري لغذاء ملايين المغاربة.
ووفق تقديرات الجمعية الفرنسية للحبوب “سيناكومكس”، فإن واردات المغرب من القمح اللين ستبلغ حوالي 5.5 ملايين طن خلال الموسم الفلاحي 2025-2026، مقابل إنتاج وطني لا يتجاوز 2.4 ملايين طن. هذه الأرقام تفضح هشاشة القطاع الفلاحي في بلد أنفق مليارات الدراهم على برامج وخطط رفعت شعارات “الاستدامة” و”الأمن الغذائي”، لكنها تركت المائدة المغربية تحت رحمة الأسواق الدولية وتقلبات الطقس والسياسة.
المفارقة أن الحكومة تتحدث عن موسم ناجح بفضل وفرة الزيتون والحوامض والتمور، وهي منتجات تُوجّه أساساً للتصدير، بينما يظل القمح، أساس القوت اليومي، مستورداً من فرنسا وروسيا وليتوانيا. وكأن الفلاحة المغربية باتت تزرع للتصدير وتستورد للعيش.
مصادر مهنية تؤكد أن الاعتماد المفرط على الخارج يجعل البلاد في موقع هشّ، خصوصاً مع تقلبات الأسعار العالمية واحتمال حدوث اضطرابات في التوريد. بينما يرى مراقبون أن استمرار هذا النهج يكرّس فشل السياسات الفلاحية منذ “المخطط الأخضر” وحتى “الجيل الأخضر”، حيث لم يتحقق لا الاكتفاء الذاتي ولا العدالة المائية، بل تم تعميق الفوارق بين الفلاحة التصديرية الكبرى والفلاحة المعاشية الصغيرة التي تموت عطشا.
فكيف يمكن لحكومة تتحدث عن “تحسن الموسم” و”انخفاض البطالة” أن تبرر استيراد أكثر من نصف حاجتها من القمح؟ وكيف يمكن لعرّاب “المخطط الأخضر” أن يقنع المغاربة بنجاح رؤيته، بينما رغيفهم اليومي يُشحن من موانئ مارسيليا ولوهافر؟.
الجواب، كما يبدو، لا يحتاج إلى لجان تقييم ولا إلى بيانات رسمية. يكفي النظر إلى بواخر القمح الفرنسي وهي ترسو تباعاً في الموانئ المغربية لتعرف أن “الوفرة” التي بشّر بها رئيس الحكومة لم تزهر في الحقول، بل في الخطاب السياسي فقط.







