تعيش فرنسا على إيقاع أزمة غير مسبوقة في تاريخ “الجمهورية الخامسة”، ما إن تنصب حكومة حتى تسقط، مع تزايد عدد المطالبين باستقالة الرئيس. خلال أقل من سنة تعاقب على السلطة أربع رؤساء حكومة : غابريال أطال وميشال بارنييي وفرانسوا بايرو وسيباستيان لوكورنو… الأخير شكل أقصر الحكومات عمرا في تاريخ البلاد، تشكيلة من 18 وزيرا لم تصمد أكثر من 14 ساعة، بسبب انفراط تحالفه مع اليمين الجمهوري. لكن ماكرون أعاد تعيين لوكورنو في المنصب، ودعاه لتشكيل حكومة جديدة بمهمة واحدة : وضع موازنة للبلاد قبل نهاية العام.
بشق الأنفس، استطاع لوكورنو جمع 34 وزيرا من المعسكر الرئاسي واليمين والوسط ومن كبار موظفي الدولة، وكوّن حكومة جديدة-قديمة، احتفظ فيها عدد من الوزراء بحقائبهم مثل جيرالد دارمانان في العدل وجان-لوي بارو في الخارجية ورشيدة داتي في الثقافة… غير أن لوكورنو يدرك جيدا أن تشكيلته على قدر بالغ من الهشاشة، وأن معظم الكتل السياسية، يمينا ويسارا، تترصدّها في المنعطف، وتضمر لها شرّا.
عدديا، لا يمكن حجب الثقة عن الحكومة بدون أصوات النواب الاشتراكيين، لذلك راهن رئيس الوزراء على النسخة الفرنسية من “حزب الوردة”، واستجاب لمطلبين أساسيين من مطالبه : تعليق إصلاح نظام التقاعد، والتخلي عن استخدام الفصل 49.3 من الدستور، الذي يعطي للحكومة حق تمرير القوانين بدون تصويت. بفضل هذه التنازلات نجت حكومة سيباستيان لوكورنو، الخميس الماضي، من مذكرتيْ حجب الثقة، التي وضعهما حزبا “فرنسا الأبية” و”التجمع الوطني”، بعد أن امتنع النواب الاشتراكيون عن دعم إسقاط الحكومة.
بدأت الأزمة السياسية في فرنسا في 9 يونيو 2024، حين لجأ ماكرون إلى حلّ البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة، بعيد الإعلان عن هزيمة حركته السياسية (الجمهورية إلى الأمام) في الانتخابات الأوربية. الاقتراع السابق لأوانه أسفر عن برلمان بدون أغلبية، بعد أن جاءت النتائج متقاربة بين كُتَل اليسار وأقصى اليمين والوسط، مع تفوق طفيف لتحالف اليسار المنضوي تحت لواء “الجبهة الشعبية الجديدة”، التي تشكلت من “فرنسا الأبية” و”الحزب الاشتراكي” بالإضافة إلى “الخضر” و”الحزب الشيوعي”. ورغم أن العرف الديمقراطي يقتضي تعيين رئيس الحكومة من القوة السياسية التي تصدّرت الاستحقاق التشريعي، فإن الدستور يعطي للرئيس حقّ تعيين مَن يشاء في المنصب. ماكرون استفاد من صلاحياته الرئاسية المفرطة، وعين حكومة من معسكره، ضاربا عرض الحائط بالعرف الديمقراطي، مما خلف احتقانا شديدا في المشهد السياسي. النسخة الفرنسية من “الخروج عن المنهجية الديمقراطية”.
ما أشبه اليوم بالبارحة. عدم الاستقرار السياسي الذي تعيشه فرنسا 2025، يذكر بآخر أيام “الجمهورية الرابعة” (1946-1958). بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، تشكلت رابع جمهورية في تاريخ فرنسا، وأخذت على عاتقها إعمار ما دمرته الحرب وفكّ الارتباط مع المستعمرات وبناء الوحدة الأوربية. الجمهورية الرابعة نظام برلماني يتميز بهيمنة السلطة التشريعية على نظيرتها التنفيذية، حيث يعيّن البرلمانُ الحكومة ويطيح بها متى شاء، وللنواب سلطة انتخاب الرؤساء الثلاثة: رئيس الجمهورية ورئيس المجلس ورئيس البرلمان.
بسبب الصلاحيات المفرطة للنواب دخلت المؤسسات في مرحلة من عدم الاستقرار، جعلت 20 حكومة تتعاقب على السلطة في أقل من 12 سنة. وعندما تمرد بعض قادة في الجيش عام 1958 في إطار ما يسمى ب”الأزمة الجزائرية”، رجع الجنرال شارل ديغول إلى السلطة، ووضع حدا لعدم الاستقرار السياسي عن طريق تأسيس “الجمهورية الخامسة”، التي منحت للرئيس صلاحيات واسعة.
بخلاف الرابعة، الجمهورية الخامسة نظام رئاسي، يعتمد الاقتراع المباشر في اختيار رئيس البلاد، تليه انتخابات نيابية، يعقبها تشكيل حكومة من الأغلبية الفائزة. نظام سياسي فُصِّل على مقاس الجنرال ديغول. وقد نجحت الوصفة في إعادة الاستقرار إلى المؤسسات، لأن صناديق الاقتراع ظلت تمنح لمعسكر الرئيس أغلبية في الانتخابات التشريعية، مما يُسَهِّل تشكيل حكومات منسجمة، متماسكة، وقوية.
كان ديغول أول رئيس ينتخب بالاقتراع المباشر عام 1958، وحين استقال في أبريل 1969، جرت انتخابات رئاسية مبكرة أسفرت عن وصول جورج بومبيدو إلى قصر الإليزيه، لكن صحته ستخذله ليرحل عام 1974 دون إكمال عهدته الرئاسية، مما سيفرض تنظيم انتخابات مبكرة حملت الوسَطي فاليري جيسكار ديستان إلى الحكم. وفي 1981 فاز فرانسوا ميتران بالانتخابات، وبعد عهدتين خلَفَه جاك شيراك عام 1995 ثم نيكولا ساركوزي عام 2007 وفرانسوا هولند عام 2012 فإبمانويل ماكرون ابتداء من 2017…. وظلت الحكومات تتشكل بسلاسة، وتجد أغلبية مريحة داخل البرلمان، إلى أن قرر ماكرون حلّ الجمعية الوطنية في 9 يونيو 2024، ودخلت البلاد في أزمة سياسية لم تعرفها الجمهورية الخامسة من قبل، علما أنها تستمدّ شرعيتها من استقرار المؤسسات.
كثير من المحللين يرجحون أن تصبح الأغلبية الهشة قاعدة في البرلمان الفرنسي خلال السنوات المقبلة، مما سيجعل الرئيس عاجزا عن تنفيذ سياساته… واضح أن جمهورية شارل ديغول استنفذت وظيفتها ولم يعد هناك بدّ من الانتقال إلى “الجمهورية السادسة”!
جمهورية منتهية الصلاحية!







