تسود حالة من القلق في صفوف شغيلة المطارات بالمغرب إزاء ما يعتبرونه “غموضًا مؤسساتيًا” يواكب التحول المرتقب للمكتب الوطني للمطارات إلى شركة مساهمة خلال الأشهر القادمة، في سياق وطني يشهد إعادة هيكلة واسعة للمؤسسات العمومية ذات الطابع التجاري. هذا التخوف المتزايد يأتي وسط تساؤلات حول مصير الهيكلة الداخلية وحقوق المستخدمين، خاصة في المصالح الحيوية كالإطفاء والإنقاذ، التي تظل ركيزة أساسية في منظومة السلامة الجوية.
ويخشى العاملون في المطارات أن يؤدي هذا التحول إلى فراغ تنظيمي مؤقت قد ينعكس على أداء بعض المصالح الحساسة، خصوصًا في ظل تزايد الضغط الناتج عن الحركة الجوية المرتفعة والتحضيرات الجارية لاستضافة المغرب لعدد من التظاهرات الرياضية الكبرى في السنوات المقبلة. كما تُطرح مخاوف من أن تتحول مرحلة الانتقال القانوني والإداري إلى ذريعة لتأجيل الإصلاحات الداخلية أو تجميد تحسين الأوضاع المهنية للعاملين.
وتأتي هذه المخاوف في وقت يعيش فيه المكتب الوطني للمطارات مرحلة مفصلية من تاريخه، إذ يستعد لتطبيق برنامج استثماري ضخم بقيمة 38 مليار درهم يمتد إلى سنة 2030، يهدف إلى مضاعفة طاقة استقبال المطارات الكبرى، وعلى رأسها مطار محمد الخامس بالدار البيضاء، ومواكبة النمو السريع في عدد المسافرين الذي من المنتظر أن يتجاوز 35 مليونًا في أفق 2029. كما يسعى المكتب إلى رفع رقم معاملاته إلى أكثر من 7,5 مليارات درهم بحلول 2028، وفق معطيات مشروع قانون المالية لسنة 2026.
وفي خضم هذا السياق، عبّرت مصادر نقابية عن “تخوف مشروع” من غياب رؤية واضحة بشأن موقع ومهام مصالح الإنقاذ والإطفاء داخل الهيكلة الجديدة، في ظل الحديث عن إمكانية مراجعة البنيات التنظيمية المركزية والجهوية. وتؤكد هذه المصادر أن نجاح أي إصلاح مؤسساتي يجب أن يوازيه تطوير في البنية المهنية والتقنية للعاملين بالمطارات، لا سيما أولئك الذين يوجدون في الخطوط الأمامية للأمن والسلامة الجوية.
وفي السياق ذاته، أصدر المكتب النقابي لإطفائيي مطار ابن بطوطة بطنجة، المنضوي تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، بلاغًا عبّر فيه عن انشغاله العميق بالتحولات التي يعرفها المكتب الوطني للمطارات، داعيًا الإدارة إلى تمكين مصالح الإنقاذ والإطفاء من الإمكانيات والوسائل الضرورية لأداء مهامها على الوجه الأمثل. وطالب البلاغ بتجهيز هذه المصالح بالمعدات الحديثة، وتأهيل العنصر البشري عبر التكوين المستمر، وإحداث مركز وطني للتدريب في مجال الإنقاذ والإطفاء، إلى جانب تحسين ظروف العمل وبناء محطات جديدة من الجيل الحديث تضمن سلامة الإطفائيين وجودة التدخلات.
وأكد المكتب النقابي التزامه بالحفاظ على وحدة العاملين داخل القطاع في مواجهة “كل محاولات شق الصف النقابي أو تمييع العمل المهني”، مشددًا على أن المرحلة المقبلة تتطلب مزيدًا من الوضوح والشفافية وتكافؤ الفرص بين جميع الأجراء، تماشيًا مع متطلبات التحول المؤسساتي المنتظر.
ويأتي هذا الجدل في سياق وطني أوسع يشهد تسريع إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية بموجب القانون الإطار رقم 50.21، الذي شمل مؤسسات كبرى مثل المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، والمكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن، والمكتب الوطني للصيد البحري. ويهدف هذا التحول إلى ترسيخ حكامة جديدة أكثر فعالية وربط المسؤولية بالمحاسبة، غير أن المخاوف تظل قائمة بشأن ضمان العدالة المهنية داخل هذه المؤسسات في مرحلة ما بعد التحويل.







