في سن السادسة والثمانين، يواصل عبد اللطيف الجواهري قيادة بنك المغرب، الركيزة الأساسية للاستقرار المالي للمملكة، في رقم قياسي من حيث طول فترة توليه المنصب. فمنذ تعيينه من طرف الملك محمد السادس سنة 2003، لا يزال هذا الرجل يُراكم التقديرات والتكريمات، آخرها تصنيفه من قبل المجلة الأمريكية “Global Finance” ضمن أفضل محافظي البنوك المركزية في العالم.
في المغرب، يحظى التقرير السنوي للبنك المركزي، الذي يقدمه الجواهري إلى الملك بمناسبة عيد العرش، باهتمام واسع يتجاوز الأوساط الاقتصادية المتخصصة. كما أن مؤتمراته الصحافية الدورية تحظى بمتابعة كبيرة بفضل “تحليلاته الاقتصادية الدقيقة، وجرأته في التعبير، وروحه الفكهة” التي جعلت منه أحد أبرز الأصوات الموثوقة في المشهد المالي الوطني.
تتويج جديد
وتكريما لمسار استثنائي في ترسيخ الاستقرار النقدي للمغرب، تُوِّج الجواهري بلقب «أفضل حاكم بنك مركزي إفريقي لسنة 2025 خلال حفل AFIS Awards 2025 الذي نظمته Africa Financial Industry Summit (AFIS) بشراكة مع Forvis Mazars، احتفاءً بالقادة والمؤسسات التي تُسهم برؤاها الجريئة والتزامها بالاستدامة في رسم ملامح مستقبل القطاع المالي الإفريقي.
ويأتي هذا التتويج الجديد كاعتراف بمسيرة الجواهري الممتدة لأكثر من عقدين، والتي كرّس خلالها جهوده لتعزيز الاستقرار النقدي للمملكة المغربية وترسيخ مكانة بنك المغرب كأحد أبرز المراجع الإقليمية في مجال الحكامة المالية والسياسات النقدية الرصينة على الصعيد القاري.
وفي هذا الصدد، يرى محللون اقتصاديون أنه تحت قيادة الجواهري استطاع البنك المركزي تحقيق استقرار ملحوظ في قيمة الدرهم المغربي، وتعزيز آليات الرقابة البنكية، وقيادة عملية الانتقال التدريجي نحو نظام صرف أكثر مرونة، في خطوةٍ اعتُبرت إصلاحًا هيكليًا عميقًا فتح آفاقًا جديدة أمام الاقتصاد الوطني.
مضيفين أن هذه الإصلاحات جعلت من التجربة المغربية مرجعًا يُحتذى به داخل القارة الإفريقية، سواء على مستوى تحديث أدوات السياسة النقدية أو في مجال تعزيز الشفافية والحكامة في تدبير المؤسسات المالية.
رجل كل الأزمات
يُنظر إلى الجواهري باعتباره “صندوق أسرار المالية المغربية الحديثة”. فقد تقلّد مناصب عليا في الدولة شملت وزيرًا منتدبًا لدى الوزير الأول مكلفًا بإصلاح المؤسسات العمومية، ووزيرًا للمالية، ومديرًا عامًا لبنك BMCE (حالياً بنك إفريقيا)، ومديرًا عامًا لصندوق التقاعد المهني المغربي (CMR)، قبل أن يُعيَّن على رأس بنك المغرب في أبريل 2003.
بدأ الجواهري مساره المهني داخل بنك المغرب سنة 1962، وكان في قلب إدارة جميع الأزمات الكبرى التي مر بها الاقتصاد المغربي.
من تدبير برنامج التقويم الهيكلي المؤلم في الثمانينيات بشراكة مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، مرورًا بالأزمة المالية العالمية لسنة 2008، وصولاً إلى تداعيات جائحة كوفيد-19، كان الجواهري دائمًا في قلب القرار، مضطرًا في أحيان كثيرة إلى اتخاذ قرارات صعبة و”غير شعبية”.
ويقول نجيب بنعمور، الكاتب العام للمعهد المغربي للذكاء الاستراتيجي والمدير السابق لصندوق المقاصة، متذكّرًا مرحلة التقويم الهيكلي: “كانت الأحزاب السياسية تعارض بعض القرارات التي اتخذها الجواهري، لكنه كان دائمًا ينجح في إقناعها بضرورتها. لقد كان يحظى بالاحترام حتى من أولئك الذين لم يتفقوا معه”.
تساؤلات حول الخلافة
ومع اقتراب نهاية ولاية مجلس إدارة بنك المغرب في دجنبر المقبل، تتكاثر التساؤلات حول خليفة الجواهري في المنصب. ففي رده مؤخرًا على سؤال حول الموضوع، قال الجواهري: “لقد ترأست بنك المغرب طيلة 23 سنة، وبلغت سنًّا متقدمة. هناك مجلس أترأسه تم تعيينه لمدة ست سنوات، وتنتهي ولايته في نهاية دجنبر. حينها، سيكون الأمر بيد جلالة الملك ليُعين من يشاء ويجري التغييرات التي يراها مناسبة”.
عبارةٌ فُسرت من قبل البعض على أنها “إشارة وداع” من هذا المخضرم الذي طبع صورة البنك المركزي بطابع الاستقلالية. غير أن مصدرًا موثوقًا داخل بنك المغرب أوضح أن “القرار النهائي يظل بيد جلالة الملك محمد السادس”.
نزاهة وكفاءة نادرتان
يُجمع مقربون من الجواهري على أنه رجل دولة نزيه ومتفانٍ في خدمة المصلحة العامة. يقول محمد بلماحي، السفير السابق وعضو الفريق الذي اشتغل مع الجواهري في إحدى فتراته الوزارية: “لم يكن الجواهري يومًا مدفوعًا بمصالح شخصية. ما يهمه هو الصالح العام، إنه رجل يحب وطنه وملكه”.
أما نجيب بنعمور، مدير ديوانه السابق، فيضيف: “استمراره كل هذه العقود في أعلى مناصب الدولة راجع إلى صفاته النادرة. فهو واسع الثقافة، شديد النزاهة، وصريح إلى درجة نادرة. ولهذا احتفظ بثقة جلالة الملك الراحل الحسن الثاني وجلالة الملك محمد السادس”.
لذلك يرى الكثيرون أن عبد اللطيف الجواهري ليس فقط أقدم محافظ بنك مركزي في العالم العربي، بل هو “أحد أعمدة الدولة المغربية الحديثة”، الذي رافق تحولات اقتصادها لعقود، مجسّدًا نموذج رجل الدولة الذي يجمع بين الكفاءة، والاستقلالية، والإخلاص للمصلحة الوطنية.
“جون أفريك”- وكالات (بتصرف)







