مازالت القراءات والتحليلات تتقاطر عقب التصويت الأخير لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على قرار جديد بخصوص ملف الصحراء المغربية، والذي صادق فيه المجتمع الدولي، بشكل واضح، على مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب سنة 2007، باعتباره الحل الواقعي والوحيد لإنهاء النزاع المفتعل حول الصحراء. القرار الأممي الذي حظي بدعم واسع داخل المجلس، اعتُبر محطة حاسمة في مسار القضية، وكرّس تحولاً في مواقف عدد من القوى الدولية، في مقدمتها روسيا والصين، اللتان اختارتا هذه المرة الامتناع عن التصويت دون معارضة القرار، في موقف وصفه المراقبون بأنه “غير مسبوق” ويعكس تراجع الاصطفاف التقليدي حول أطروحة البوليساريو.
وفي هذا السياق، اعتبرت الباحثة المتخصصة في شؤون المغرب العربي، خديجة محسن-فِنان، أن القرار الأممي “يغيّر الكثير من المعطيات”، لأنه يمثل — حسب قولها — “الاعتراف الذي كان ينتظره المغرب منذ عقود، والمتمثل في إقرار المجتمع الدولي بحق المملكة في سيادتها على الصحراء، كما كان يسميه الملك الراحل الحسن الثاني: حق الملكية على الصحراء”.
وأوضحت في حديث لإذاعة RFI الفرنسية أن تصويت مجلس الأمن جاء “في وقت تستعد فيه قوى دولية كبرى مثل الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا للاستثمار في الأقاليم الجنوبية، وهو ما كان يتطلب الخروج من المنطق الاستعماري القديم الذي ظلّ يعتبر المنطقة خاضعة لتصفية الاستعمار”.
وتطرقت محسن-فِنان إلى خلفيات الموقف الروسي الصيني، مبرزةً أن زيارة وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة إلى موسكو ساهمت في “ضمان حياد إيجابي من الجانب الروسي”، مشيرة إلى أن الصيغة الأخيرة للقرار تضمنت مصطلح “تقرير المصير” لإرضاء موسكو وبكين، وهو ما سمح لهما بالامتناع عن التصويت دون اللجوء إلى الرفض. واعتبرت الباحثة أن هذا التحول يعكس “نهاية منطق الحرب الباردة وبداية مرحلة جديدة في علاقات موسكو بالرباط”، متوقعة أن تكون القوتان الكبريان “من المتابعين عن قرب لشكل الحكم الذاتي الذي سيشرع المغرب في تنزيله على أرض الواقع”.
أما بخصوص امتناع الجزائر عن المشاركة في التصويت رغم عضويتها الحالية داخل مجلس الأمن، فقد وصفته المتحدثة بـ”المفاجئ”، مشيرة إلى أن القرار يعكس “تحولاً استراتيجياً في حسابات الجزائر التي تسعى إلى استعادة موقعها الإقليمي والدولي، وتعوّل على علاقات اقتصادية واستراتيجية جديدة مع واشنطن”، معتبرة أن الموقف الجزائري الأخير “يشكل عملياً إدارةً للظهر لجبهة البوليساريو ولخيار تقرير المصير الذي تبنّته الجزائر منذ نصف قرن”.
وأضافت محسن-فِنان أن المآلات المقبلة للملف تبقى مفتوحة، إذ “لا أحد يعرف ما سيكون عليه مصير سكان مخيمات تندوف ولا مستقبل الجبهة التي باتت تعيش حالة من اليأس الواضح في تصريحاتها الأخيرة”، مؤكدة أن “البوليساريو لوحدها لا تستطيع مواجهة المغرب، وكانت دوماً رهينة القرار الجزائري في تحركاتها الميدانية والعسكرية”.
وختمت الباحثة الفرنسية من أصول مغربية حديثها بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة تضع الكرة في ملعب المغرب، الذي بات مطالباً — وفق تعبيرها — بـ”توضيح ملامح الحكم الذاتي الموعود، في إطار إصلاح سياسي يضمن اللامركزية والديمقراطية لتثبيت هذا المشروع على أسس مؤسساتية حقيقية”.







