في وقتٍ ترفع فيه وزارة الصحة والحماية الاجتماعية شعار “تقريب الخدمات الطبية من المواطن”، يعيش المرتفقون بمدينة القنيطرة على وقع معاناة يومية بسبب إشكال إداري وصفه البعض بـ“العبثي”، بعد إغلاق المستشفى الإقليمي الإدريسي وتحويل خدماته إلى المستشفى الجديد الزموري، مع إبقاء مركز تحاقن الدم بمحاداة المستشفى القديم.
هذا الوضع جعل المرضى ومرافقيهم، ممن يحتاجون إلى الدم، يضطرون للتنقل بين موقعين متباعدين في رحلة مرهقة، إذ يُطلب منهم بعد حصولهم على ورقة صرف الدم من مركز التحاقن، التوجه إلى المستشفى الزموري، الكائن بطريق المعهد الملكي للشرطة، لأداء ثمن كيس الدم بصندوق المستشفى، قبل العودة مجددًا إلى المركز نفسه من أجل استلامه. مشهد يتكرر يوميًا، يزيد من معاناة النساء والمرضى والمسنين، خصوصًا من لا يملكون وسيلة نقل خاصة.
وعاين موقع “نيشان” أمام بوابة مركز التحاقن، تجمع عدد من النساء وبعضهن يحملن أطفالًا، وهن يتوسلن المارة وأصحاب السيارات بنقلهن إلى المستشفى الزموري لأداء الرسوم قبل العودة من جديد. مشهد يلخص مفارقة صارخة بين الخطاب الرسمي حول “القرب” والممارسة اليومية التي تُثقل كاهل المواطنين.
ويأتي هذا في وقت كان وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، قد أكد شهر أكتوبر الماضي أمام مجلس المستشارين أن ورش إعادة هيكلة المنظومة الصحية، عبر إحداث “المجموعات الصحية الترابية” (GST)، يروم تحقيق فعالية أكبر وتقريب الخدمات من المواطن.
التهراوي شدد حينها على أن هذه المجموعات تمثل العمود الفقري الجديد للحكامة الصحية الجهوية، إذ توحد المراكز الصحية والمستشفيات الإقليمية والجهوية والجامعية في هيكلة واحدة، مع اعتماد نظام معلوماتي موحد يهدف إلى ضمان تنسيق فعّال وتحسين جودة الخدمات. كما أشار إلى أن التجربة النموذجية انطلقت فعليًا بجهة طنجة تطوان الحسيمة منذ أكتوبر 2025، وتشمل 22 مستشفى و295 مركزًا صحيًا ومستشفى جامعيًا واحدًا.
غير أن معاناة ساكنة القنيطرة، كما توثقها الوقائع اليومية، تطرح تساؤلات حول مدى انسجام الخطاب الإصلاحي للوزارة مع واقع الخدمات الميدانية، وحول ما إذا كانت “الحكامة الصحية الجديدة” قد نجحت فعلًا في تقريب الصحة من المواطن، أم أنها لا تزال حبيسة النصوص والتجارب النموذجية.







