أعلنت حركة ضمير عن إطلاق سلسلة من اللقاءات التواصلية والتشاورية مع طيف واسع من الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين والمدنيين والفكريين، لعرض مضامين مذكرتها الجديدة “المغرب السياسي الذي نريد”. الوثيقة، التي تمتد على أكثر من مائة صفحة، تقدم واحداً من أشمل التشخيصات الصادرة عن هيئة مدنية مستقلة بخصوص أعطاب الحياة السياسية المغربية، وتقترح مساراً لإعادة بناء الثقة المهدورة بين المواطن والمؤسسات، قبل الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026.
وتنطلق الحركة في مذكرتها من قراءة صريحة لما تصفه بـ“الأزمة البنيوية” التي يعيشها الحقل السياسي منذ سنوات، مستندة إلى تراكمات محطات سابقة، من بينها تقييمها لانتخابات 2016، وانتقادها لظروف انتخابات 2021، ثم رسالتها المفتوحة للمواطنين سنة 2024 التي نبهت فيها إلى “خطورة اللحظة الراهنة” وتراجع ثقة المغاربة في الفاعلين والمؤسسات. وتشير المذكرة إلى محطات عديدة تبرر إطلاق هذا الورش، أبرزها نسبة المشاركة الهزيلة التي سجلتها الانتخابات الجزئية الأخيرة في الرباط–المحيط، والتي لم تتجاوز 6,5%، معتبرة أن هذا العزوف لم يعد مجرد مؤشر سلبي بل تحول إلى تهديد مباشر يفسح المجال لـ“عصابات الانتخابات وتجار الولاءات”.
وتؤكد الحركة أن الوضع يستدعي “نموذجاً سياسياً جديداً” يقطع مع أعطاب النموذج الحالي، خاصة بعد دعوة الملك محمد السادس، في خطاب عيد العرش يوم 29 يوليوز 2025، وزارة الداخلية إلى إطلاق مشاورات واسعة لإصلاح المنظومة الانتخابية. وتقول الحركة إن مذكرتها تأتي كمساهمة مدنية مستقلة في هذا النقاش، بعد أن أجمعت معظم الأحزاب المشاركة في المشاورات على وصف انتخابات 2021 بأنها “كارثية”، بسبب التوظيف المفرط للمال الانتخابي واختلالات التقطيع ونمط الاقتراع واللوائح.
وتحدد المذكرة ثلاث معضلات مركزية تفسر “عطب السياسة في المغرب”:أولها عجز جزء واسع من الطبقة السياسية عن الاضطلاع بمسؤولياتها المؤسساتية في ظل وجود “منطقة رمادية” واسعة بين صلاحيات الحكومة والبرلمان وصلاحيات الملك، ما يفرز حكومات ضعيفة وقيادات حزبية تستمد نفوذها من الشرعية الشكلية لا من نتائج عملها. أما المعضلة الثانية فترتبط بغياب الديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب، وتنامي الزبونية وعودة “الأحزاب المصطنعة” وغياب تجديد النخب. فيما تتعلق المعضلة الثالثة بتحريف قواعد التنافس الانتخابي عن مقاصدها، سواء بفعل المال الفاسد أو التلاعب باللوائح أو ضعف حكامة الحملات ويوم الاقتراع.
وفي مواجهة هذه الأعطاب، تضع الحركة تصورها للنموذج السياسي الجديد الذي تقترحه، وهو تصور يستند إلى الدستور وإلى توصيات النموذج التنموي الجديد، ويرتكز على إصلاحات عميقة تستهدف الحد من تضارب المصالح، وتجريم استعمال المال الفاسد انتخابياً، وتنظيم الديمقراطية الداخلية، وضمان شفافية مالية الأحزاب وتسقيف نفقاتها الانتخابية، ومنع أي تدخل في شؤونها الداخلية. وتدعو المذكرة إلى تجريم التوظيف السياسي للدين عبر استغلال النصوص الدينية في الدعاية الانتخابية، معتبرة أن هذا السلوك يدمّر المجالين السياسي والديني معاً، ويمثل خطراً على بناء الديمقراطية.
وفي محور آخر، تدافع الحركة عن “تعزيز الحياد الملكي” في التنافس الحزبي، باعتباره أساس الشرعية الأخلاقية للنظام السياسي المغربي، وتؤكد أن إدخال شخص الملك في الصراعات الانتخابية يَنسِف المبدأ الدستوري القائم على الفصل بين تجسيد الإرادة الشعبية عبر الاقتراع وتجسيدها عبر المؤسسة الملكية. وتشدد المذكرة على ضرورة ترتيب آثار قانونية على أي مزايدة تستعمل المؤسسة الملكية في الخطاب السياسي.
وتوسع الحركة رؤيتها لتشمل إعادة بناء جسور الثقة بين المواطن والدولة. وتعتبر أن استرجاع هذه الثقة لا يمر فقط عبر تعديل قواعد اللعبة السياسية، بل عبر إعادة صياغة مواصفات النخب ذاتها. وتشير إلى أن “من يقفون اليوم على رأس معظم الأحزاب ساهموا في تبخيس السياسة”، وبالتالي فإن أي إصلاح جدي يتطلب تجديداً واسعاً للقيادات وإعادة الاعتبار للفكر السياسي، وخلق حواضن لإعداد الكفاءات، بما فيها إمكانية إحداث “حكومة ظل” مدنية لتأهيل نخب جديدة.
كما تربط المذكرة بين الإصلاح السياسي الداخلي ونجاح مشروع الحكم الذاتي في الصحراء، خاصة بعد قرار مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025 الذي عزز الاعتراف الدولي بالمبادرة المغربية. وتعتبر الحركة أن بناء مؤسسات قوية ومتماسكة، تقوم على الشرعية الديمقراطية، يشكل رافعة استراتيجية لنجاح هذا المسار.
وفي نهاية الوثيقة، تدعو الحركة إلى “تعاقد سياسي جديد” يضمن احترام الثوابت الدستورية ويستند إلى مشاركة واسعة بين الدولة والأحزاب والمجتمع المدني. وتؤكد أن لقاءاتها التشاورية المقبلة ستشكل أرضية لتجميع الملاحظات وتطوير المقترحات، استعداداً لتحويل المذكرة إلى مبادرات تشريعية وترافعية داخل المؤسسات وفي النقاش العمومي.
وجدير بالذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي تطلق فيها الحركة مشاورات مماثلة، إذ سبق لها، قبيل الانتخابات التشريعية لسنة 2016، استقبال معظم التشكيلات السياسية الكبرى في المغرب لمناقشة برامجها الانتخابية. وعقب ذلك أصدرت تقريراً تقييمياً لتلك البرامج مكّن من الاطلاع على مدى واقعيتها وقابليتها للتنفيذ.







