في الوقت الذي تتسع فيه فجوة العجز التجاري وترتفع كلفة استيراد التجهيزات الطبية سنة بعد أخرى، تعود الحكومة لرفع سقف الطموح بإعلان نيتها مضاعفة الإنتاج المحلي للأجهزة الطبية في أفق 2030، مع رفع حصة المنتوج الوطني إلى 30 في المائة من سوق تتجاوز قيمتها 7 مليارات درهم. غير أن هذا الهدف، رغم وجاهته من حيث المبدأ، يثير تساؤلات مهنية حول مدى واقعيته في ظل الإكراهات القائمة.
الأرقام المتداولة داخل الفيدرالية المغربية للصناعات الصحية تفيد بأن الإنتاج المحلي لا يغطي حالياً سوى نحو 15 في المائة من الطلب الداخلي، فيما يُستورد الباقي من الخارج. ورغم تسجيل القطاع نمواً سنوياً يتراوح بين 7 و10 في المائة خلال السنوات الأخيرة، فإن عدداً من الفاعلين يعتبرون أن هذا النمو ظل محصوراً أساساً في مستلزمات أساسية منخفضة أو متوسطة القيمة المضافة، دون اختراق فعلي لسوق الأجهزة المعقدة ذات التكنولوجيا العالية.
الاتفاقية الإطار للفترة 2026-2030، الموقعة بين وزارتي الصناعة والصحة إلى جانب الفيدرالية والاتحاد العام لمقاولات المغرب، تراهن على إطلاق دراسة لتحديد الأجهزة ذات الأولوية القابلة للتصنيع محلياً، مع تحفيز الاستثمار وتأمين سلاسل التزويد. غير أن مصادر مهنية تحدثت عن “فجوة مزمنة بين الإعلان والتنزيل”، معتبرة أن الإشكال لا يكمن في غياب الرؤية فقط، بل في بطء مساطر الترخيص، وتعقيد منظومة المصادقة التقنية، وضعف الاستثمار في البحث والتطوير.
المصادر ذاتها أشارت إلى أن رفع الحصة السوقية إلى 30 في المائة يتطلب إعادة نظر شاملة في منظومة الطلب العمومي، بالنظر إلى أن القطاع الحكومي يستحوذ على نحو 70 في المائة من المشتريات. وأضافت أن “دفاتر التحملات كثيراً ما تُصاغ بطريقة تجعل الأفضلية السعرية تحسم المنافسة، وهو ما يصعب على المصنع المحلي مجاراته في غياب دعم حقيقي لاقتصاديات الحجم أو تحفيزات ضريبية واضحة”.
كما يثير الحديث عن تصنيع أجهزة أكثر تطوراً ومرتبطة ببراءات اختراع إشكاليات مرتبطة بضعف منظومة البحث العلمي ونقل التكنولوجيا، فضلاً عن محدودية الكفاءات المتخصصة في بعض المجالات الدقيقة. ويخشى بعض الفاعلين في القطاع أن تتحول الأفضلية الوطنية، إن لم تُحسن صياغتها، إلى مجرد إجراء شكلي لا يغير بنية السوق، أو إلى آلية قد تنعكس على الأسعار النهائية دون تحقيق قيمة مضافة حقيقية.
في المقابل، لا ينكر مهنيون أن ورش تعميم الحماية الاجتماعية وتوسع الاستثمار في البنيات الاستشفائية يفتحان نافذة فرصة نادرة أمام الصناعات الصحية. لكنهم يشددون على أن تحويل هذه الفرصة إلى قاعدة صناعية مستدامة يقتضي إصلاحات تنظيمية عميقة، وضمان وضوح واستقرار في القواعد القانونية، وإرساء مسار سريع وشفاف لمنح التراخيص.
وبين هدف بلوغ 1,8 مليار درهم من الإنتاج المحلي بنهاية العقد، وواقع سوق ما تزال تعتمد أساساً على الخارج، يظل الرهان الحقيقي، بحسب المصادر، هو الانتقال من منطق الأرقام المعلنة إلى بناء منظومة صناعية قادرة على المنافسة، لا في الخطاب فقط، بل في رفوف المستشفيات ودفاتر الصفقات العمومية.







