يشكل إصلاح المنظومة الصحية بالمغرب اليوم أحد أكبر الأوراش الاستراتيجية التي تراهن عليها الدولة لتجاوز الاختلالات المتراكمة وتحقيق عدالة صحية ومجالية أكبر. وفي قلب هذا الورش يوجد تحدي الموارد البشرية، باعتبار الطبيب هو العمود الفقري لأي نظام صحي ناجح. لذلك فإن التوجه نحو توسيع كليات الطب ورفع عدد المقاعد الجامعية يمثل خيارا استراتيجيا يستحق التثمين، لأنه يجيب عن إشكالية الخصاص الكبير الذي عانت منه المنظومة الصحية لسنوات.
لقد انتقل المغرب إلى مرحلة جديدة عنوانها الرفع من القدرة التكوينية في مهن الصحة، حيث تكشف المعطيات المرتبطة بالموسم الجامعي 2026-2027 عن حجم هذا التوسع، إذ تم تحديد ما مجموعه 7340 مقعدا لولوج كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان، منها 5790 مقعدا في الطب، و1090 في الصيدلة، و460 في طب الأسنان.
ومن بين أبرز المستجدات في هذا الورش إحداث كليات جديدة للطب والصيدلة بكل من سطات والقنيطرة، حيث خصصت كل كلية 250 مقعدا في شعبة الطب برسم السنة الجامعية 2026-2027، أي أن المؤسستين ستضيفان معا 500 مقعد جديد في الطب. وهي خطوة تعكس توجها نحو تقريب التكوين الطبي من جهات جديدة وتخفيف الضغط عن الكليات التاريخية الكبرى.
ولا شك أن توسيع شبكة كليات الطب بالمغرب يحمل بعدا استراتيجيا مهما، لأنه لا يتعلق فقط بزيادة عدد الأطباء، بل أيضا بإعادة توزيع التكوين الجامعي على المستوى الترابي، بما ينسجم مع ورش الدولة الاجتماعية وتقليص الفوارق بين الجهات. فإحداث كلية للطب في سطات أو القنيطرة ليس مجرد قرار أكاديمي، بل هو استثمار في مستقبل المنظومة الصحية وفي التنمية الجهوية.
غير أن هذا التوسع الكمي يطرح في المقابل سؤالا جوهريا حول جودة التكوين وشروط نجاحه. فالطب ليس تكوينا نظريا فقط، والطبيب لا يصنع داخل المدرجات وحدها، بل يحتاج إلى مختبرات حديثة، وتجهيزات بيداغوجية، وأطر جامعية كافية، وتكوين سريري داخل مستشفيات جامعية ومراكز استشفائية قادرة على استقبال الطلبة وتأطيرهم.
إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في فتح كليات جديدة، بل في ضمان جاهزيتها لتقديم تكوين يوازي قيمة مهنة ترتبط مباشرة بحياة المواطنين. فالمغرب يحتاج فعلا إلى أطباء أكثر، خصوصا أمام التحديات المرتبطة بتوسيع التغطية الصحية والحماية الاجتماعية، لكن هذا الاحتياج يجب ألا يدفع نحو منطق الإنتاج السريع للأطباء على حساب جودة التكوين.
لقد أبانت التجارب الدولية أن قوة المنظومة الصحية لا تقاس فقط بعدد الأطباء، بل بمستوى كفاءتهم، وبقدرة المؤسسات التي تكونهم على الجمع بين المعرفة العلمية والتطبيق السريري. لذلك فإن التحدي أمام المغرب اليوم هو تحقيق معادلة دقيقة بين توسيع العرض الطبي والحفاظ على المعايير الأكاديمية والمهنية.
كما أن الارتفاع المتوقع في أعداد خريجي كليات الطب خلال السنوات المقبلة يفرض موازاة ذلك سياسة واضحة في تدبير الموارد البشرية الصحية، تشمل تحسين ظروف العمل، تطوير المسار المهني، تشجيع الاستقرار في القطاع العمومي، وضمان توزيع عادل للأطباء بين مختلف المناطق.
إن ورش إصلاح الصحة بالمغرب لا يمكن أن ينجح إلا برؤية شمولية تجعل من تكوين الطبيب نقطة البداية وليس مجرد حلقة من حلقات الإصلاح. فبناء المستشفيات وتوسيع التغطية الصحية يحتاجان إلى رأسمال بشري مؤهل وقادر على ترجمة هذه المشاريع إلى خدمات صحية ذات جودة.
إن قراءة هذا الورش يجب أن تنطلق من زاوية الحكامة العمومية: فالقرار الاستراتيجي لا يقاس فقط بسرعة الإعلان عنه أو بعدد المؤسسات المحدثة، بل بمدى القدرة على توفير شروط النجاح والاستدامة.
إن المغرب يسير في اتجاه توسيع قاعدة تكوين الأطباء، وهي خطوة ضرورية ومهمة، لكن الرهان الأكبر يبقى هو صناعة طبيب المستقبل: طبيب يتوفر على تكوين قوي، ومهارات عالية، وثقة المواطن، لأن جودة الصحة تبدأ قبل دخول المستشفى، تبدأ من الجامعة التي تصنع الطبيب.







