بينما كان المواطن المغربي البسيط يرفع أكف الضراعة شكرا للخالق على “عام مطير” أعاد الروح للمراعي والأمل للفلاحين، كان هناك “فيلق” آخر يشتغل في صمت مريب؛ لا يراقب السحب ولا نسب ملء السدود، بل يضبط إيقاع “النهش” في جيوب البسطاء على ترددات القنوات الإخبارية العالمية!
إنه “الشناق”، ذلك الكائن العجيب الذي تحول في غفلة من الرقابة من تاجر مواشي موسمي إلى “محلل جيوسياسي” يربط ببراعة شيطانية بين ندرة “الصردي” في سوق السبت ولاد النمة، وتصاعد التوتر في مضيق هرمز.
فجأة، صار الصراع بين طهران وتل أبيب مبرراً كافيا لكي يقسم لك “الشناق” بأغلظ الأيمان أن ثمن الخروف سيحلق عاليا “هاد العام”، وكأن الأغنام في “بني خيران” تُضرب عن الطعام تضامنا مع أزمات الملاحة الدولية، أو أن “العلف” يُستورد حصرا عبر صواريخ باليستية.
المفارقة الصارخة هذا العام، أن الطبيعة جادت بفضلها، لكن “بشرى المطر” لم تترجم إلى “بشرى طمأنينة”. والسبب ليس ندرة القطيع، بل ندرة “الحزم الرسمي”.
ففي ظل صمت حكومي يثير الريبة، وتأخر غير مفهوم في تقديم ضمانات ميدانية تقطع الطريق على الإشاعة، تُرك الفراغ القاتل لـ “بورصة الشناقة”. هؤلاء الذين يقتاتون على “فوبيا العام الماضي” ويحولون صدمة “إلغاء العيد” أو غلائه الفاحش إلى سلاح نفسي لترهيب الأسر قبل شهرين من الموعد.
إن ترك رقاب المغاربة تحت رحمة “تأويلات” مضاربين يخلطون بين “النووي” و”الحولي” هو استقالة صريحة من الدور الحمائي للدولة.
المواطن اليوم لا يحتاج إلى أرقام جافة عن “الرؤوس المرقمة” التي تتبخر فجأة في الأسواق، بل يحتاج إلى “هيبة الدولة” التي تضرب بيد من حديد على سماسرة الأزمات الذين يحولون كل قطرة مطر إلى “ضريبة إضافية” على القدرة الشرائية.
العيد في الوجدان المغربي هو “توازن” اجتماعي ونفسي، وليس “كازينو” للمقامرة بمشاعر الناس وتحويل شعيرة دينية إلى موسم “للسرقة الموصوفة” تحت مسميات “الظرفية الدولية”.
إذا استمر هذا الصمت، فلا تلوموا المواطن إن صدق أن خروفه يتأثر بأسعار النفط في تكساس، ففي زمن “الشناقة”، كل شيء وارد.. إلا أن تنخفض الأسعار حين تمطر السماء.








