تتحول أبواب المصحات الخاصة في المغرب، في كثير من الأحيان، من معابر للاستشفاء إلى منصات لـ “المساومة” على الحق في الحياة، حيث يجد المريض وعائلته أنفسهم أمام مقايضة قاسية “الشيك أو الشارع”.
ورغم الترسانة القانونية التي تجرم صراحة طلب “شيك الضمانة” (المادة 75 من القانون 131.13 المتعلق بمزاولة مهنة الطب)، ورغم ورش تعميم الحماية الاجتماعية الذي قطع أشواطا كبرى في أفق 2026، إلا أن “تجارة الألم” ما زالت تزدهر في المناطق الرمادية بين القانون والواقع الميداني، مستغلةً ضعف الرقابة وحاجة المواطن الملحّة للعلاج في لحظات الضعف الإنساني القصوى.
المعطيات الصادمة التي استقتها “نيشان” من كواليس القطاع، تشير إلى أن ما يسمى بـ “النوار” أو المبالغ غير المصرح بها، أصبحت “عرفاً” موازيا يتجاوز في بعض الجراحات الدقيقة (مثل جراحة القلب أو الشرايين) سقف 30 ألف درهم تضاف إلى الفاتورة الرسمية التي تتحملها صناديق التغطية الصحية.

وفي اتصال هاتفي لـ “نيشان” بـ “أشرف مولين” الخبير المتخصص في السياسات الصحية، أكد أن العجز في “التعريفة المرجعية الوطنية” (Tarif National de Référence) التي لم تشهد تحيينا حقيقيا منذ سنة 2006، هو الذريعة التي تتستر وراءها لوبيات المصحات لتبرير هذه الابتزازات.
فبينما يحدد الصندوق الوطني لمنظمة الاحتياط الاجتماعي (CNOPS) أو “AMO” تكلفة معينة لعملية جراحية، تجد المصحة أن التكاليف اللوجستية وأتعاب الأطباء تضاعفت ثلاث مرات، مما يدفعها لفرض “الفارق” على جيب المواطن خارج القانون.
الواقع الميداني يكشف عن “بروتوكول” غير مكتوب تنهجه بعض المصحات الكبرى في الدار البيضاء والرباط؛ فبمجرد وصول المريض، يطالَب المرافق بوضع “شيك ضمانة” مفتوح أو بمبلغ محدد يتراوح بين 10 آلاف و50 ألف درهم كشرط إلزامي لفتح الملف الطبي أو دخول غرفة العمليات.

“نيشان” تواصلت مع مصدر نقابي من الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة، والذي أوضح بمرارة أن المصحات تستغل “الفراغ الرقابي” لوزارة الصحة والهيئة الوطنية للطبيبات والأطباء؛ حيث يتم تسليم المريض فاتورة رسمية “نظيفة” للمطالبة بالتعويض من شركات التأمين، بينما يتم تسلم المبالغ الإضافية نقدا دون أي أثر محاسباتي، وهو ما يضيع على خزينة الدولة ملايير الدراهم من الضرائب سنويا تحت غطاء “الخدمات الإضافية” غير المبررة.
الأرقام تتحدث عن تناقض صارخ؛ ففي الوقت الذي تعلن فيه الحكومة عن تغطية صحية تشمل أزيد من 90% من المغاربة في مطلع 2026، تظهر دراسات ميدانية أن “المصاريف المباشرة” (Out-of-pocket) التي يؤديها الأجراء والفقراء من مالهم الخاص ما زالت تتجاوز 50% من إجمالي الإنفاق الصحي في المغرب.
هذا “الشرخ” هو الذي يغذي “تجارة الألم”؛ فالمواطن الذي يهرب من الاكتظاظ ومواعيد المستشفيات العمومية البعيدة، يجد نفسه فريسة لـ “تجار الوزرة البيضاء” الذين حولوا مهنة الطب إلى نشاط تجاري بحت يخضع لمنطق العرض والطلب.
وفي هذا الصدد، يرى “أشرف مولين”، أن الحل لا يكمن فقط في “الزجر”، بل في إعادة النظر في حكامة القطاع الخاص وفرض “الفوترة الموحدة” والشفافية الرقمية التي تربط المصحة مباشرة بصناديق التغطية، لقطع الطريق على “المناولة” المالية تحت الطاولة.

كواليس المصحات تشير أيضا إلى أن بعض الأطباء، الذين يشتغلون في القطاع العام ويقومون بـ “المناوبة” غير القانونية في المصحات الخاصة، هم جزء من هذه المنظومة؛ حيث يشترطون مبالغ إضافية “نقدية” كأتعاب خاصة لا تظهر في الفواتير الرسمية للمصحة لتفادي الضرائب. هذا التواطؤ الجماعي يجعل المواطن المغربي، خاصة المنتمي للطبقة المتوسطة، يعيش رعبًا ماليًا حقيقيًا عند كل طارئ صحي؛ فالخوف من المرض لم يعد نابعًا من الألم الجسدي فقط، بل من “الدمار المالي” الذي تخلفه “شيكات الضمانة” وابتزازات اللحظات الأخيرة.

والرهان اليوم أمام السلطات الوصية، وفقا للمصادر، يظل هو تفعيل دور «الدرك الصحي» والقيام بزيارات تفتيشية مفاجئة، وتحريك المتابعات الجنائية في حق كل من يثبت في حقه احتجاز مريض أو شيك؛ لأن كرامة المغربي لا يمكن أن تظل رهينة في «ثلاجات» المصحات الخاصة بانتظار صرف الشيكات.
هل اختارت وزارة الصحة التطبيع مع “النوار” وشيك “الضمان” بالمصحات ؟







