مع اقتراب محطة شتنبر 2026، لا يبدو المشهد السياسي المغربي متجهاً نحو استحقاق ديمقراطي حقيقي، بل نحو إعادة تدوير باردة لنفس البنية السياسية التي فقدت روحها ومعناها. نحن أمام حالة سياسية أقرب إلى “الجمود المزمن”، حيث تتحول الانتخابات من لحظة مساءلة وتغيير إلى مجرد طقس إداري لتثبيت نفس التوازنات وإعادة إنتاج نفس الوجوه.
المشهد العام يعكس فراغاً سياسياً عميقاً، لا تملؤه البرامج ولا المشاريع، بل يزداد اتساعاً مع كل محطة انتخابية جديدة، حتى أصبح الفعل الحزبي أقرب إلى واجهة شكلية تُستعمل لتزيين واقع سياسي متآكل من الداخل.
الأغلبية الحكومية: إدارة واقع بلا رؤية
الأغلبية الحكومية، بقيادة كل من التجمع الوطني للأحرار، الأصالة والمعاصرة، والاستقلال، لا تبدو كتحالف سياسي يحمل مشروعاً مجتمعياً، بل كتكتل لتدبير الوضع القائم بأقل قدر من الاحتكاك مع الأسئلة الحقيقية للمجتمع.
التجمع الوطني للأحرار: سياسة تُدار بمنطق “التواصل” لا بمنطق الأثر
يقدم حزب التجمع الوطني للأحرار، باعتباره الحزب القائد للحكومة، نموذجاً لسياسة تُختزل بشكل متزايد في التواصل والإعلان “الماركيتينغ”، حيث تتحول السياسة إلى خطاب مُصمم بعناية، قائم على إدارة الصورة أكثر من إنتاج الأثر. في هذا السياق، يكرّس الحزب مفهوم “السياسة كورش تواصل”، حيث الأولوية ليست لنجاعة الأثر الاجتماعي، بل لـ”سردية النجاح”. إنه انتقال خطير من “دولة الرعاية” إلى “دولة الشعار”، حيث يتم تجميل المؤشرات الماكرو اقتصادية بينما تعيش الفئات الهشة “تغريباً” اقتصادياً حاداً.
ومع الوقت، يصبح الفرق واضحاً بين “صورة الإنجاز” و”واقع المعاناة”، إذ تتقدم لغة الأرقام والإنجازات المعلنة على حساب ملموسية التحسن في حياة المواطنين اليومية. وهكذا، لا تبدو السياسة هنا كأداة لتغيير الواقع بقدر ما تبدو كآلية لإعادة صياغة هذا الواقع خطابياً، بما يضمن استمرارية الهدوء السياسي أكثر مما يضمن العدالة الاجتماعية أو الفعالية التنموية.
الأصالة والمعاصرة والاستقلال: حزبان يبدوان وكأنهما في
موقع التابع أكثر من موقع الشريك. الأول منشغل بترميم توازناته الداخلية وتجاوز هشاشته التنظيمية، والثاني يواصل الاتكاء على رصيد تاريخي لم يعد كافياً لتبرير حضوره السياسي الحالي. النتيجة أن حضورهما داخل الأغلبية لا يضيف وزناً سياسياً حقيقياً بقدر ما يكرس منطق الاصطفاف الصامت.
الخلاصة أن هذه الأغلبية لا تُنتج سياسة بالمعنى الحقيقي، بل تدير الفراغ وتعيد ترتيب الاستمرارية، في غياب أي جرأة على فتح نقاش وطني جاد حول الاختيارات الكبرى.
المعارضة: حضور لفظي وغياب فعلي
أما المعارضة، فهي الأخرى تعيش حالة أقرب إلى الشلل المقنع. فهي معارضة عالية الصوت، منخفضة الأثر.
تكتفي في الغالب برد الفعل بدل الفعل، وبالتعليق بدل المبادرة، وبإعادة إنتاج النقد نفسه في كل محطة دون القدرة على تحويله إلى بديل سياسي متماسك. إنها معارضة تشتغل بمنطق “الاعتراض الدائم” دون أن تمتلك تصوراً قابلاً للحياة خارج دائرة الرفض.
الأخطر أن جزءاً كبيراً من خطابها أصبح مرتبطاً بلحظة الانتظار: انتظار أخطاء الحكومة، انتظار تآكل الأغلبية، وانتظار الظروف بدل صناعتها. وهذا في حد ذاته تعبير عن عجز بنيوي في إنتاج بديل حقيقي، لا مجرد اختلاف في المواقف.
انتخابات 2026: من المشاركة إلى الامتناع الواعي
في هذا السياق، لا يبدو الخطر الأكبر هو العزوف التقليدي، بل تحول جزء من المواطنين إلى الامتناع الواعي. امتناع لا ينبع من اللامبالاة فقط، بل من قناعة متزايدة بأن العرض السياسي الحالي لا يقدم فرقاً حقيقياً بين بدائل متشابهة في الجوهر ومختلفة فقط في التفاصيل.
لقد تحولت الأحزاب تدريجياً إلى كيانات موسمية، تنشط مع اقتراب الانتخابات وتخفت بعدها، دون ارتباط حقيقي بالمجتمع أو بالنقاش العمومي. كما أن ضعف النقاش الفكري داخلها جعلها تفتقر لأي عمق فكري أو مشروع مجتمعي واضح، لتتحول المنافسة إلى صراع على المواقع لا على المعنى.
مآل المسار: وجوه جديدة لنفس المشهد
ما يجري اليوم ليس مجرد أزمة ظرفية، بل انسداد سياسي ممتد يعكس عجزاً عاماً في إنتاج نخبة قادرة على تجديد الفعل السياسي. انتخابات 2026، وفق هذا المسار، لن تكون سوى لحظة تقنية لإعادة توزيع نفس الأدوار داخل نفس الإطار، مع تغييرات شكلية لا تمس جوهر الأزمة.
الزمن السياسي يبدو وكأنه متوقف، بينما الحركة الوحيدة الحقيقية هي حركة الاقتراب من موعد الانتخابات. أما ما عدا ذلك، فهو دوران داخل حلقة مغلقة من الخطاب، دون أثر حقيقي على الواقع.
وإذا استمر هذا المسار دون مراجعة جذرية، فإن النتيجة ستكون ترسيخ ديمقراطية شكلية: صناديق اقتراع حاضرة، لكن السياسة غائبة.







