تحولت “رقمنة الإدارة” في المغرب من حلم لتيسير حياة المرتفقين إلى “متاهة إلكترونية” زادت من تعقيد المساطر عوض تبسيطها، وهو الواقع الذي تؤكده تقارير ميدانية وشكاوى المواطنين مع مطلع سنة 2026.
فرغم الاستثمارات المليارية التي ضخت في وكالة التنمية الرقمية (ADD) وإطلاق منصات ضخمة مثل “رخص” و”استثمار” و”الحالة المدنية الرقمية”، إلا أن الكواليس تكشف عن وجود “فجوة تقنية” هائلة بين الواجهات الرقمية الأنيقة وبين المساطر الخلفية (Back-office) التي ما زالت تشتغل بعقلية “الطابع والمقدم” والنسخ المصادق عليها.
وتشير المعطيات الصادمة إلى أن أزيد من 60% من الخدمات الرقمية التي أطلقتها الوزارات والمنصات الجماعية خلال السنتين الأخيرتين، تنتهي بعبارة “يرجى التوجه إلى أقرب ملحقة إدارية لاستكمال الملف”، مما خلق ما يسميه المرتفقون بـ “العبء المزدوج”؛ حيث يضطر المواطن لرفع الوثائق إلكترونيا ثم تقديمها ورقيا مرة أخرى، في تكرار يضرب عرض الحائط بمقتضيات القانون 55.19 المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية.
مصادر من داخل “وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة” أقرّت لـ “نيشان” بوجود “مقاومة صامتة” من طرف الموارد البشرية التي تخشى أن تسحب الرقمنة بساط “السلطة التقديرية” من تحت أقدامها، مما يدفع ببعض المسؤولين الإقليميين إلى اختراع مساطر ورقية موازية بدعوى “تأمين الملفات”.
وعلى مستوى الأرقام، كشفت دراسة استقصائية حديثة أن 45% من المقاولات الصغرى والمتوسطة واجهت “بلوكاج” تقنياً في المنصات الحكومية خلال سنة 2025 بسبب عدم تحيين قواعد البيانات أو تضارب الصلاحيات بين الإدارات. فعلى سبيل المثال، يجد المستثمر نفسه عالقاً في منصة “CRI-Invest” لأن مصالح التعمير في جهة معينة لم تقم بربط نظامها المعلوماتي مع المنصة المركزية، مما يحول “الرقمنة” إلى مجرد واجهة للعرض (Showcase) تخفي وراءها بيروقراطية أكثر شراسة، حيث أصبح الموظف يختبئ وراء “عطب في النظام” (Système طايح) للتهرب من معالجة الطلبات في وقتها القانوني.
في السياق ذاته، يعكس الواقع الميداني في “المقاطعات” والملحقات الإدارية هذا التخبط؛ حيث أدى إقرار “التوقيع الإلكتروني” و”الهوية الرقمية” إلى إرباك فئات واسعة من المواطنين، خاصة المسنين منهم، الذين وجدوا أنفسهم مجبرين على اللجوء لـ “كُتّاب عموميين” و”سيبرات” (Cybercafés) لملء استمارات بسيطة، مما خلق “سوقاً سوداء” للوساطة الرقمية.
وترى المصادر، أن الرهان اليوم ليس في زيادة عدد التطبيقات، بل في “ثورة العقليات” داخل الإدارة المغربية التي ما زالت تنظر للرقمنة كـ “ترف تقني” وليس كأداة للشفافية وقطع الطريق على الزبونية والرشوة، وهو ما يفسر لماذا يفضل المواطن في 2026 الوقوف في “صف” ملموس على انتظار “إيميل” قد لا يأتي أبداً.







