لم تكن مقولة ”الشناق” التي أثارت ضجة واسعة خلال الأسابيع الماضية، والمتمثلة في: » الحولي ديال العيد مخاصكشي تشطّر فيه بزاف، حيت كلما كان الثمن طالع كان الأجر أكثر«، سوى صورة مصغرة تعبر بشكل واضح عن الواقع الذي يعيشه المغاربة اليوم في ظل الارتفاع المهول للأسعار، فقد أصبحت ظاهرة الاستغلال متفشية بدرجة تثير القلق، حتى صار كل شخص يستغل الآخر بحسب المجال الذي يتحرك فيه، سواء تعلق الأمر ببعض أفراد الشعب الذين يمارسون التجارة أو أي نشاط له علاقة بمصالح الناس، أو بالمسؤولين وأصحاب النفوذ الذين يهيمنون على قطاعات حيوية ومواد أساسية يحتاجها المواطن البسيط في حياته اليومية.
إن ما يعيشه المواطن المغربي اليوم لا يقتصر فقط على غلاء الأضاحي أو المواد الاستهلاكية المرتبطة بالمناسبات الدينية، بل أصبح الغلاء سمة عامة تطبع مختلف مناحي الحياة؛ من أسعار المواد الغذائية إلى المحروقات ثم الخدمات الأساسية، يقابله ضعف كبير في القدرة الشرائية. وفي خضم هذا الوضع، يجد المواطن نفسه محاصرا بين ضعف القدرة الشرائية من جهة، وجشع بعض التجار والمحتكرين من جهة أخرى، في غياب رقابة صارمة تحد من هذا الاستغلال المتزايد.
لذلك، لا ينبغي أن نستغرب من انتشار مثل هذه الأقوال التي تحاول إضفاء طابع ديني أو أخلاقي أو سياسي أو طبيعي (الجفاف، الزلزال…) على الغلاء الفاحش، وكأن ارتفاع الأسعار أصبح وسيلة لزيادة الأجر والثواب، فمثل هذا الخطاب يذكرنا بما كانت تقوم به الكنيسة في أوروبا خلال العصور الوسطى، حين كانت تبيع ما عُرف بـ”صكوك الغفران”، مستغلة سذاجة الناس وعواطفهم الدينية، ومقنعة إياهم بأن دفع المال يقربهم من المغفرة والنجاة حيث كان الراهب الألماني ”تتزل tetzel” أكثر مهارة في ذلك إذ جاء في أحد خطاباته ” إنه ما أن يسمع رنين العملة في الصندوق حتى تكون روح من دفعت عنه الأموال قد تحررت وأخذت طريقها إلى الفردوس”. واليوم، وإن اختلفت السياقات والأزمنة، فإن الفكرة تبقى متشابهة: استغلال الجانب الديني والعاطفي لدى البسطاء لتبرير واقع غير عادل، وإقناعهم بالتعايش معه بدل مساءلته أو رفضه.
كما أن الخطير في الأمر هو أن بعض الفئات أصبحت تتعامل مع المناسبات الدينية (رمضان والعيدين) باعتبارها فرصا موسمية لتحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح، دون مراعاة للظروف الاجتماعية الصعبة التي تعيشها شريحة واسعة من المواطنين، فبدل أن تكون هذه المناسبات فرصة للتكافل والتراحم، تحولت عند البعض إلى مناسبة للمضاربة ورفع الأسعار واستنزاف جيوب الأسر البسيطة.
إن الشكوى وحدها لن تغير شيئا من هذا الواقع، بل الأمر يحتاج إلى وعي مجتمعي حقيقي يرفض تبرير الاستغلال مهما كان مصدره وشكله، كما يحتاج إلى تدخل فعلي من الجهات المسؤولة لضبط الأسواق ومحاربة الاحتكار والمضاربة، لا مجرد لجان شكلية من حين لآخر لتبقى حلقة صناعة الاستغلال مستمرة في الدوران، فكرامة المواطن لا ينبغي أن تكون رهينة بجشع البعض، ولا يمكن لأي مجتمع أن يحقق الاستقرار في ظل اتساع الفوارق الاجتماعية واستمرار استغلال حاجات الناس الأساسية.
ختاما، تبقى مثل هذه التصريحات مؤشرا واضحا على أزمة أعمق من مجرد ارتفاع الأسعار، وهي أزمة الوعي والقيم، حين يصبح استغلال معاناة الناس أمرا عاديا، بل ويتم تسويقه أحيانا بغطاء ديني أو أخلاقي أو سياسي أو طبيعي دون تدخلات حقيقية لمعالجة الوضع، الأمر الذي يزيد من حدة الأزمة. فأين يكمن الخلل؟ ومن يتحمل مسؤولية حل هذه الأزمة؟ وهل توجد إرادة حقيقية لمعالجة الأزمة؟
امحمد هكار، أستاذ مادة التاريخ والجغرافيا بالسلك الثانوي التأهيلي.







