أثارت صفقة أطلقتها المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج موجة من التساؤلات بشأن طبيعة الشروط التقنية المضمنة في دفتر التحملات، ومدى انسجامها مع فلسفة مرسوم الصفقات العمومية القائم على ضمان تكافؤ الفرص والشفافية.
ويتعلق الأمر بطلب عروض دولي مفتوح رقم 13/2025، يهم اقتناء مواد النظافة والاستحمام (شامبو-كيس) لفائدة المؤسسات السجنية، بغلاف مالي يفوق 13 مليون درهم، أي ما يناهز ملياراً و300 مليون سنتيم.
ورغم الطابع الاجتماعي والإنساني للصفقة، باعتبارها موجهة لتوفير مواد النظافة الأساسية لفائدة نزلاء المؤسسات السجنية، إلا أن عدداً من المهنيين والمتابعين للشأن الاقتصادي اعتبروا أن بعض المقتضيات الواردة ضمن الملف التقني قد تتحول عملياً إلى آلية لتقليص المنافسة بدل توسيعها.
وتتمثل أبرز نقاط الجدل في اشتراط الإدلاء بتحليلات مخبرية حديثة تخص عدداً من المنتجات، من بينها مسحوق الغسيل ومواد النظافة الأخرى، مع التنصيص على ألا يتجاوز تاريخ هذه التحاليل 15 يوماً قبل موعد فتح الأظرفة، وهو ما وصفه مهنيون بشرط “مرهق مالياً وتقنياً”، بالنظر إلى الكلفة المرتفعة للتحاليل المخبرية وتعقيد المساطر المرتبطة بها، خاصة بالنسبة للمقاولات الصغرى والمتوسطة.
ويرى متابعون أن هذا النوع من الشروط يطرح إشكالاً حقيقياً على مستوى تكافؤ الفرص، لأن المقاولة تجد نفسها مطالبة بتحمل مصاريف تقنية ومخبرية باهظة دون أي ضمانات للفوز بالصفقة، في وقت يفترض فيه أن يتم اللجوء إلى هذه التحاليل خلال مرحلة المراقبة التقنية أو بعد الإسناد النهائي للصفقة، وليس كشرط مسبق للمشاركة.
ويؤكد مختصون في الصفقات العمومية أن روح المرسوم المنظم للطلبيات العمومية تقوم أساساً على تشجيع المنافسة الحرة، وتفادي كل الشروط التي قد تؤدي إلى الإقصاء غير المباشر للمتنافسين، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمواد استهلاكية متداولة في السوق الوطنية وتخضع أصلاً لمعايير السلامة والجودة المعمول بها.
كما يثير هذا المعطى مخاوف من أن تتحول بعض الشروط التقنية إلى حواجز ملغومة أمام ولوج عدد من الفاعلين الاقتصاديين إلى السوق العمومية، بما قد يؤثر سلباً على مبدأ المساواة بين المتنافسين، ويحد من قدرة الإدارة على الاستفادة من أفضل العروض المالية والتقنية.
وتنص الوثيقة الرسمية الخاصة بطلب العروض على أن فتح الأظرفة سيتم بمقر المندوبية العامة بالرباط، مع إلزام المتنافسين بإيداع الملفات إلكترونياً عبر بوابة الصفقات العمومية، إضافة إلى تقديم الوثائق التقنية وفق الشروط المحددة في نظام الاستشارة.
وفي ظل الجدل الذي رافق هذه الصفقة، تتجه الأنظار إلى المندوب السامي لإدارة السجون باعتباره الآمر بالصرف، من أجل مراجعة بعض المقتضيات التقنية التي يعتبرها مهنيون منافية لروح المنافسة، وذلك حمايةً للمال العام وضماناً لولوج متكافئ وعادل للمقاولات إلى الطلبيات العمومية، بعيداً عن أي شروط قد تُفهم على أنها تضييق غير مبرر على المنافسة.







