فجّرت مصادقة مجلس جهة كلميم واد نون، خلال أشغال دورته العادية لشهر يوليوز 2026، على ملحق اتفاقية شراكة لبناء وتجهيز أربعة مجازر بمدن الجهة، موجة غضب في صفوف المعارضة، التي وجهت انتقادات حادة لرئاسة المجلس متهمة إياها بـ”إهدار المال العام” وغياب رؤية واضحة لترشيد النفقات.
وجاءت هذه الانتقادات عقب الكشف عن ارتفاع كبير في الكلفة الإجمالية للمشروع، التي تضاعفت بنحو ثلاث مرات لتتجاوز 26 مليار سنتيم، بعدما كانت محددة في البداية في حدود 9 مليارات سنتيم، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات بشأن مبررات هذه الزيادة وجدوى المشروع في ظل الخصاص السوسيو-اقتصادي الذي تعرفه الجهة.
وفي هذا السياق، اعتبر المستشار المعارض بمجلس الجهة، إبراهيم حنانة، أن إعادة المصادقة على الاتفاقية بصيغتها المعدلة تكرس ما وصفه بـ”العبث المستمر واستمرار إهدار المال العام”، معتبراً أن رئيسة المجلس، امباركة بوعيدة ( حزب الأحرار)، لا تولي العناية الكافية لصيانة الموارد المالية للجهة، وتضع خيار ترشيد النفقات في آخر سلم أولوياتها.
وأوضح حنانة أن الكلفة المرتفعة للمشروع تثير الكثير من علامات الاستفهام، بالنظر إلى الأولويات التنموية والاجتماعية التي كان بالإمكان توجيه هذه الاعتمادات المالية إليها، مقترحًا استثمارها في قطاعات حيوية تمس الحياة اليومية للمواطنين، وفي مقدمتها بناء وتجهيز مستشفى إقليمي أو مراكز صحية للتخفيف من الخصاص الذي يعرفه القطاع الصحي، فضلاً عن تشييد وإعادة تأهيل مؤسسات تعليمية تستجيب لحاجيات الساكنة.
وتبرز الوثائق الرسمية الخاصة بالمشروع حجم التحول الذي عرفته كلفته المالية. فوفق اتفاقية الشراكة الأصلية، الحاملة للرقم 2023 ج ك.و.د، والموقعة في يوليوز 2023، كان المشروع يهم بناء وتجهيز أربعة مجازر عصرية بكل من كلميم، طانطان، سيدي إفني وآسا، بغلاف مالي إجمالي حدد في 92 مليون درهم.
وكانت الاتفاقية تنص على تمويل المشروع مناصفة بين وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، التي تساهم بـ46 مليون درهم، ومجلس جهة كلميم واد نون بالمبلغ نفسه، على أن تتولى الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع مهام صاحب المشروع المنتدب، فيما تلتزم الجماعات الترابية المعنية بتوفير أوعية عقارية بمساحة هكتارين بكل مدينة لاحتضان هذه المشاريع.
غير أن الملحق رقم 2 للاتفاقية، الموقع في يوليوز 2026، حمل تعديلات جوهرية شملت تعديل المادتين الرابعة والخامسة، وحذف المادة السادسة المتعلقة بحساب تسيير المشروع. كما كشف عن رفع الكلفة الإجمالية للمشروع إلى 265.4 مليون درهم، تشمل الدراسات والأشغال والتوريدات.
وبموجب الجدول المالي الجديد، ارتفعت مساهمة وزارة الفلاحة إلى 110 ملايين درهم، موزعة بين 46 مليون درهم خلال السنة الأولى و64 مليون درهم خلال السنة الثانية، تخصص لتجهيز المشاريع، فيما قفزت مساهمة مجلس جهة كلميم واد نون إلى 155.4 مليون درهم، منها 46 مليون درهم خلال السنة الأولى و109.4 ملايين درهم خلال السنة الثانية، تخصص لأشغال البناء.
كما نص الملحق على إمكانية إسناد مهام صاحب المشروع المنتدب أو المواكبة التقنية، كلياً أو جزئياً، إلى مؤسسة عمومية أو شخص اعتباري خاضع للقانون العام أو الخاص، مع التزام الجماعات الترابية الأربع بتوفير العقارات اللازمة، واعتماد نمط تدبير عصري للمجازر الجديدة، سواء عبر شركات التنمية المحلية أو التدبير المفوض.
وأعاد هذا الارتفاع الكبير في الكلفة إشعال النقاش السياسي والرقابي داخل الجهة حول مدى انسجام هذه الاختيارات الاستثمارية مع أولويات الساكنة.
وترى المعارضة أن الفارق المالي بين دراسات 2023 ودراسات 2026، والذي تجاوز 173 مليون درهم، يطرح تساؤلات بشأن نجاعة التقديرات المالية أو وجود تضخم غير مبرر في الكلفة، معتبرة أن هذه الاعتمادات الإضافية كان من الأجدى توجيهها إلى قطاعي الصحة والتعليم اللذين يواجهان خصاصاً كبيراً، بدل رصدها لمشروع كان، بحسب منتقديه، بالإمكان إنجازه بكلفة أكثر ترشيداً بما يضمن حسن تدبير المال العام وتحقيق تنمية أكثر توازناً.







