تحمل الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو إلى الرباط، الأربعاء المقبل، مؤشرات تتجاوز الطابع البروتوكولي المعتاد للزيارات الثنائية، في ظل مشاركة نحو 12 وزيرا فرنسيا في أول مهمة خارجية لرئيس الحكومة الجديد، وسط ترقب لما قد تفرزه من اتفاقيات وشراكات تمهد للزيارة المنتظرة للملك محمد السادس إلى باريس وتوقيع معاهدة صداقة غير مسبوقة بين البلدين.
ورغم أن باريس والرباط لم تكشفا رسميا عن طبيعة الاتفاقيات التي ستوقع خلال هذه الزيارة، إلا أن حجم الوفد الوزاري الفرنسي وتركيبته يشيان بأن جدول الأعمال لن يقتصر على الملفات السياسية والدبلوماسية، بل سيمتد إلى قطاعات استراتيجية تشمل الأمن والدفاع والطاقة والاستثمار والبنيات التحتية والتعاون الاقتصادي.
ويأتي هذا التحرك في سياق مرحلة جديدة من العلاقات المغربية الفرنسية، بدأت ملامحها تتشكل منذ اعتراف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بسيادة المغرب على الصحراء خلال صيف 2024، وهو القرار الذي أعاد الدفء إلى العلاقات الثنائية بعد سنوات من التوتر الصامت والخلافات الدبلوماسية التي ألقت بظلالها على التعاون بين البلدين.
وتفيد المعطيات المتوفرة بأن الرباط وباريس انتقلتا خلال الأشهر الأخيرة من مرحلة استعادة الثقة إلى مرحلة بناء شراكة استراتيجية طويلة الأمد، وهو ما يفسر الحركية المكثفة التي شهدتها العلاقات الثنائية، سواء عبر تبادل الزيارات الوزارية أو إطلاق مشاريع استثمارية جديدة، فضلا عن استئناف التنسيق الأمني والقضائي الذي كان من أبرز الملفات المتأثرة خلال فترة الفتور.
وفي هذا السياق، تبدو الطاقة من بين أبرز القطاعات المرشحة لاحتلال حيز مهم من مباحثات الوفدين، خصوصا في ظل الاهتمام الفرنسي المتزايد بمشاريع الهيدروجين الأخضر والطاقات المتجددة التي يراهن عليها المغرب لتعزيز موقعه كمركز إقليمي للطاقة النظيفة. كما يرتقب أن تطرح ملفات النقل والسكك الحديدية والتجهيزات الكبرى، في وقت تستعد فيه المملكة لاحتضان كأس العالم 2030.
كما لا يستبعد أن تشمل المباحثات مشاريع جديدة في مجال الصناعات الدفاعية والتعاون العسكري، خاصة وأن العلاقات الأمنية بين البلدين عرفت خلال السنتين الماضيتين انتعاشة لافتة بعد عودة قنوات التنسيق إلى مستوياتها السابقة، في ظل التحديات المشتركة المرتبطة بالإرهاب والهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود.
وتذهب مصادر مطلعة، إلى أن حضور وزيري الخارجية والداخلية الفرنسيين ضمن الوفد الحكومي يعكس أهمية الملفات الأمنية والاستراتيجية المطروحة على الطاولة، كما يعكس رغبة باريس في تثبيت المغرب كشريك محوري في سياستها المتوسطية والإفريقية خلال المرحلة المقبلة.
ولا تنفصل زيارة لوكورنو عن التحضيرات الجارية لزيارة الدولة المرتقبة التي سيقوم بها الملك محمد السادس إلى فرنسا، والتي ينتظر أن تتوج بالتوقيع على معاهدة صداقة جديدة توصف في الأوساط الدبلوماسية بأنها ستؤسس لإطار مؤسساتي دائم للعلاقات بين البلدين، يتجاوز منطق التعاون القطاعي التقليدي نحو شراكة سياسية واقتصادية وأمنية واسعة النطاق.
وفي هذا السياق، يقرأ اختيار الرباط كأول وجهة خارجية لرئيس الوزراء الفرنسي الجديد باعتباره رسالة سياسية قوية تعكس المكانة التي بات يحتلها المغرب داخل الحسابات الدبلوماسية الفرنسية، كما يعكس رغبة باريس في تحويل المصالحة التي بدأت مع ملف الصحراء إلى تحالف استراتيجي متعدد الأبعاد، قد تظهر أولى ملامحه العملية خلال الزيارة المرتقبة للوفد الحكومي الفرنسي الأسبوع المقبل.







