حذر مصطفى الرميد، وزير العدل السابق، من خطر تجاهل المعطيات الصادمة التي كشف عنها الإحصاء، والمتعلقة بالتراجع الكبير لمعدل الخصوبة في تعديلات مدونة الأسرة، مؤكداً أن الأجيال القادمة قد تضيع في أهم مقوماتها بسبب حساباتنا الصغيرة وقصور نظرنا.
وقال الرميد في تفاعل مع المقترحات التي الاعلان عنها : “من حقنا – نحن المغاربة – ونحن نعيش في عالم قلق ومضطرب، أن ننوه بمتانة مؤسسات بلادنا، واستقرار أحوالنا، والرشد في منهجية مقاربة مشاكلنا.”
و بيّن أن “الدلائل على ذلك كثيرة، لعل أهمها، هي الطريقة التي عولج بها إلى حد الآن، موضوع تعديل مدونة الأسرة، خاصة اعتماد القاعدة الذهبية التي تقول: (لا أحل حراماً، ولا أحرم حلالاً)، وهي القاعدة التي أكد عليها جلالة الملك مراراً وتكراراً، وجعلها لازمة من اللوازم الثابتة في خطبه المتعلقة بالموضوع.”
وتابع بأن “بلورة اللجنة التي أناط بها الملك مهمة إعداد التعديلات المطلوبة، أمرت بإحالة المقترحات على الرأي الشرعي للمجلس العلمي الأعلى، الذي قرر ما قرر، على سبيل الاجتهاد، مما يمكن للمرء أن يتفق معه فيه أو يختلف، ولا ضير في ذلك، ولكن الكلمة الأخيرة هي للمؤسسات، وفي هذا السياق لا كلمة تعلو في القضايا الشرعية على كلمة المجلس المذكور، وهذا هو منطوق الدستور الذي لا محيد عنه”، يضيف الرميد.
وأردف: “غير أن هذا لا يمنع من إثارة الانتباه إلى ما ينبغي، وما يجب، باعتبار أن المملكة قامت بإنجاز إحصاء عام للسكان والسكنى هذه السنة، سنة (2024)، وكان حرياً التمعن الجيد في معطيات هذا الإحصاء، خاصة وأن من مقاصده: (تكوين قاعدة للملاحظة لإنجاز البحوث لدى الأسر).”
وقال الرميد محذرا: “إن مما يثير الخوف والقلق، المعطيات الإحصائية التي تفيد بتواصل انخفاض معدل الخصوبة الكلي، حيث إن المتوسط الوطني كان سنة 2004 في حدود 2.5%، وإذا به ينخفض سنة 2014 إلى نسبة 2.2%، لينخفض مرة أخرى سنة 2024 إلى نسبة 1.97%. وهو انخفاض ينذر بأسوأ العواقب على المستقبل الديمغرافي للبلاد إن استمر في هذا المنحنى الصعب.”
أوضح أن هذا الانخفاض الحاد للخصوبة كان من تجلياته المباشرة انخفاض مستوى حجم الأسر، فبدل عدد 5.3 فرد في كل أسرة سنة 2004، إذا بنا ننزلق إلى 4.6 سنة 2014، ثم إلى 3.9 فرد سنة 2024، وقال إن هذه المعطيات أدت إلى تباطؤ النمو السكاني، حيث كان هذا النمو بنسبة 1.38% بين سنتي 1994 و2004، وبنسبة 1.25% بين سنتي 2004 و2014، ليصل إلى مستوى 0.85% بين سنتي 2014 و2024.
واستنكر أن هذه المعطيات الديمغرافية الصاعقة، يبدو وكأنها لا تعني أي شيء، بدليل عدم فتح نقاشات عمومية واسعة حولها، وعدم قيام الفاعلين المعنيين بتقديم إجابات بشأنها، وللأسف، تأتي هذه المقترحات التعديلية لمدونة الأسرة، وكأن هذه الإحصائيات عادية، ولا تعني الأسرة من قريب أو بعيد.
وقال الرميد: “من المؤكد أن مستقبل بلادنا مهدد ديمغرافيًا، وعلينا أن نتساءل عن الأسباب والعلل، ونقارب كافة الإصلاحات الأسرية على ضوء هذه الأرقام المنذرة، وعلى هذا الأساس، فإنه إذا كانت هذه المقترحات ستسهم في الحد من الانحدار الديمغرافي فمرحى والف مرحى، أما إذا كانت ستكرس مزيدًا من الانحدار والتراجع السكاني، فإنه ليس من الحكمة اعتمادها.”
و دعا إلى التأنّي الضروري في البلورة النهائية للتعديلات، واعتبار موضوع الإشكالية الديمغرافية من المشاكل التي ينبغي التصدي لها بكافة الحلول الممكنة، ومنها الحلول التشريعية التي تهم الأسرة، دونما أي اعتبار جزئي كيفما كان نوعه وأهميته، إذا كان في النهاية سيؤدي إلى ضياع الاعتبارات الكلية.
و قال: “إن مما يثير الانتباه أيضًا أن مدونة الأحوال الشخصية لسنة 1957 كانت تنص في أصلها على تعريف الزواج بأنه، (ميثاق ترابط وتماسك … إلى أن تقول؛ غايته العفاف وتكثير سواد الأمة)، هكذا كان وعي الرواد الأوائل بأهمية العامل الديمغرافي، وعلاقته بالأسرة، غير أن مدونة الأسرة لسنة 2004، استغنت عن هذه المعطيات في تعريف الزواج، وبعد عشرين سنة يبدو واضحًا أنه من الملائم أن نراجع حساباتنا، وأن نفكر عميقًا، وبعيدًا، في مستقبل المغرب، مغرب الأجيال القادمة التي ربما قد تضيع في أهم مقوماتها، بسبب حساباتنا الصغيرة، وقصور نظرنا.” يقول الرميد.







