تعيش العاصمة الرباط على وقع تحولات عمرانية متسارعة في إطار المشاريع الكبرى التي تهدف إلى تأهيل المدينة استعدادا للاستحقاقات الدولية المقبلة، وعلى رأسها كأس العالم 2030. غير أن هذه التغييرات تثير قلق سكان بعض الأحياء العريقة، وفي مقدمتها حي العكاري، الذي وجد نفسه في قلب مخاوف متزايدة من إمكانية أن تطاله قرارات الهدم والترحيل، كما حدث مع أحياء أخرى مثل سانية غربية وعنق الجمل ودوار العسكر، والتي تمت إزالتها تحت ذريعة إعادة التهيئة وتحديث البنية التحتية.
أسواق القرب أم بوابة للهدم؟
وسط هذا المناخ من الترقب، أعلنت شركة “الرباط الجهة للتهيئة” عن تشييد ثلاثة أسواق للقرب في كل من العكاري والوحدة ورجاء فلاح، بكلفة إجمالية تناهز 40 مليون درهم، في إطار تعزيز تجارة القرب وتحسين ظروف التجار. ورغم أهمية هذه المشاريع على الورق، إلا أن سكان حي العكاري تحديدا ينظرون إليها بعين الريبة، حيث يخشون أن يكون السوق الجديد مجرد خطوة أولى نحو قرارات هدم أوسع قد تشمل الحي، الذي يعد من أقدم المناطق السكنية والتجارية بالعاصمة.
“كلما أعلنوا عن مشروع جديد، نفكر فورا في الهدم والترحيل”، يقول أحد سكان العكاري ممن عايشوا عمليات الإفراغ القسري التي طالت مناطق أخرى في الرباط. “قالوا لهم نفس الكلام في سانية غربية، وفي النهاية تم تفكيك الحي بالكامل تحت ذريعة التهيئة الحضرية.”
استثمارات ضخمة وشبهات حول الأولويات
المثير في الأمر أن هذه الأسواق الجديدة تأتي في سياق إطلاق عدد من المشاريع الكبرى ذات الطابع التجاري في الرباط، بما في ذلك سوق الجملة الجديد للخضر والفواكه، الذي سيُفتتح قريبًا في المنطقة الصناعية التقدم، ليكون أكبر سوق من نوعه في المملكة. المشروع، الذي يمتد على مساحة 25 هكتارًا، كلف ميزانية ضخمة بلغت 600 مليون درهم، ويأتي ليحل محل سوق العكاري التاريخي، الذي كانت مداخيله تدعم مالية الجماعة.
وبالتوازي مع ذلك، تم الإعلان عن مشروع آخر لسوق للقرب في حي المحيط، بغلاف مالي يتجاوز 28 مليون درهم، وهي تكلفة أثارت الجدل بسبب ارتفاعها مقارنة بحجم المشروع، خاصة أن الصفقة فازت بها شركة “زمان الخير” التي باتت تحصل على عدد من العقود في مشاريع الرباط. كل هذه المعطيات تجعل السكان يتساءلون، حول ما إذا كان الهدف الحقيقي هو تحسين ظروف التجار أم تنفيذ أجندة خفية تتعلق بإعادة هيكلة المدينة على حساب الأحياء الشعبية.
غموض وغياب الضمانات
في ظل هذه المشاريع المتسارعة، يزداد القلق بسبب غياب توضيحات واضحة من السلطات حول مستقبل الأحياء المستهدفة بالتأهيل. مصادر قريبة من الملف أكدت أن المشروع لن يؤدي إلى هدم واسع، لكنه قد يفرض تغييرات كبيرة في النسيج العمراني للعكاري، ما قد يدفع العديد من السكان لمغادرة المنطقة تحت ضغط ارتفاع الأسعار أو تغير طبيعة النشاط الاقتصادي فيها.
“لا أحد يضمن لنا أننا لن نجد أنفسنا بين ليلة وضحاها أمام جرافات الهدم”، يقول أحد التجار القاطنين بالحي. “كل شيء يتم في غياب الشفافية، وحتى عند الاستفسار، لا نحصل إلا على تطمينات غامضة دون تفاصيل واضحة.”







