علمت “نيشان” من مصادر مطلعة أن السلطات المالية في المغرب تعمل على تسريع وتيرة تحرير سعر صرف الدرهم، عبر توسيع نطاق تقلباته وتقليص تدخلات بنك المغرب. وتأتي هذه الخطوة استجابة لضغوط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وسط مخاوف من تداعياتها على الاستقرار المالي والتضخم.
وأكدت المصادر ذاتها أن بنك المغرب بدأ بالفعل في تقليص تدخلاته في سوق الصرف، بالتوازي مع توسيع نطاق تقلبات العملة، تنفيذا لمطالب صندوق النقد الدولي، الذي يشترط استمرار دعمه المالي للمغرب بإصلاحات أعمق في نظام الصرف.
وبحسب تقرير حديث لصندوق النقد الدولي، فإن المغرب مطالب بتسريع تحرير الدرهم ليصبح أكثر قدرة على التكيف مع الصدمات الخارجية، خصوصا في ظل الأوضاع الاقتصادية العالمية غير المستقرة. ويؤكد الصندوق أن نظام صرف أكثر مرونة من شأنه تعزيز تنافسية الاقتصاد المغربي، لكنه قد يؤدي أيضا إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد، مما يفاقم معدلات التضخم.
وتشير معطيات حصلت عليها “نيشان” إلى أن الاجتماعات الأخيرة بين المسؤولين المغاربة وممثلي صندوق النقد الدولي تضمنت توصيات واضحة بضرورة تسريع وتيرة تحرير الدرهم كجزء من الإصلاحات التي التزمت بها الحكومة مقابل الحصول على تمويلات دولية.
وكان المغرب قد وقع اتفاقا للاستفادة من خط ائتمان مرن بقيمة 5 مليارات دولار في أبريل 2023، مما يمنحه قدرة على مواجهة الأزمات المالية، لكنه يضعه أيضا أمام التزامات صارمة لتنفيذ إصلاحات هيكلية، على رأسها إصلاح نظام الصرف.
وتكشف البيانات الرسمية الصادرة عن بنك المغرب أن متوسط التداول الشهري للعملات الأجنبية مقابل الدرهم في السوق البينية تراجع بنسبة 37.7% خلال الربع الأول من عام 2025 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، ليصل إلى 42.3 مليار درهم. في المقابل، ارتفع سعر صرف الدرهم بنسبة 1.39% أمام اليورو، بينما فقد 1.49% من قيمته أمام الدولار، ما يعكس تزايد تقلبات العملة مع تراجع تدخل البنك المركزي.
وكان بنك المغرب قد أطلق في 2018 المرحلة الأولى من تحرير الدرهم، حيث وسّع نطاق تقلبه من ±0.3% إلى ±2.5%، ثم رفع هذا الهامش مجددًا إلى ±5% في 2020، إلا أن التحرير الكامل ظل مؤجلا بسبب المخاوف من تداعياته على الاقتصاد.
وفي خطوة لمواجهة تقلبات الصرف، دخلت سوق الصرف الآجل حيز التنفيذ في فبراير 2025، ما يتيح للمستوردين والمصدرين تثبيت أسعار الصرف مسبقا لتفادي المخاطر. ورغم أن هذه الأداة تساهم في حماية هوامش أرباح الشركات، إلا أن فعاليتها تظل محدودة في ظل ارتفاع أسعار الفائدة وتقلبات الأسواق المالية العالمية.
وفي هذا السياق، قال الخبير المالي والاقتصادي محمد الرهطوط لـ”نيشان” “تحرير الدرهم قرار استراتيجي، لكنه محفوف بالمخاطر. رغم أن الأسواق قد تستفيد على المدى البعيد من مرونة أكبر، إلا أن المستوردين سيواجهون صعوبات مع تقلبات غير محسوبة، خاصة أن الاقتصاد المغربي يعتمد بشكل كبير على الاستيراد، مما قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار.”
وعلى المستوى الداخلي، تثير هذه الإجراءات مخاوف بشأن تأثيرها على القدرة الشرائية للمواطنين، خصوصا مع ارتفاع معدلات التضخم خلال العامين الماضيين. ووفق بيانات المندوبية السامية للتخطيط، بلغ معدل التضخم في المغرب 4.8% خلال عام 2024، مدفوعا بارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود، مما دفع بنك المغرب إلى تبني سياسة نقدية متشددة ورفع أسعار الفائدة لكبح التضخم.
وفي هذا السياق، حذر الرهطوط من أن “التحرير الكامل للدرهم دون إجراءات مرافقة قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق، خاصة أن الشركات الوطكنية تعتمد بشكل أساسي على الواردات لتأمين حاجياتها من المواد الأولية. ومع استمرار الضغوط التضخمية، قد تتراجع القدرة الشرائية أكثر، مما سيؤثر على الاستهلاك الداخلي.”
وغم الضغوط الدولية، يواصل بنك المغرب تبني سياسة تدريجية في تحرير الدرهم، إذ شدد والي البنك عبد اللطيف الجواهري، في تصريحات سابقة، على أن الانتقال إلى نظام صرف حر بالكامل لن يتم إلا عند تحقيق استقرار اقتصادي كافٍ، خصوصا فيما يتعلق بمستوى الاحتياطات من العملة الصعبة وقوة القطاع المصرفي.
وتشير المعطيات إلى أن احتياطات المغرب من النقد الأجنبي بلغت نحو 355 مليار درهم بنهاية مارس 2025، وهو ما يكفي لتغطية ستة أشهر من الواردات. ورغم أن هذا المستوى يُعد مريحًا وفق المعايير الدولية، إلا أن خبراء ماليين يشددون على ضرورة الحذر في التعامل مع تحرير الدرهم، تفاديًا لأي اضطرابات في الأسواق.







