في العلاقات الدولية، لا شيء يُمنح، كل شيء يُنتزع. هذا ما فعله المغرب بهدوء دبلوماسي وهو يفتك من كينيا موقفا كان إلى وقت قريب من الثوابت الإفريقية الموروثة عن زمن الحرب الباردة، ألا وهو الاعتراف بالجمهورية الصحراوية الوهمية.
افتتاح سفارة كينية في الرباط، وتأكيد نيروبي دعمها لمبادرة الحكم الذاتي كحل “وحيد” للنزاع في الصحراء، ليس مجرّد حدث بروتوكولي . إنه إعلان قطيعة مع واقع استمر عقودا، ورسالة مضمونة الوصول للجزائر والبوليساريو على حد سواء، مفادها أن رواية “تقرير المصير” لم تعد تقنع حتى المدافعين القدامى عنها.
فكينيا لم تكن دولة عابرة أو طارئة في سجل الاعترافات الإفريقية بالجبهة الانفصالية. بل كانت إحدى ركائزها التاريخية، وواحدة من أكثر الدول التي وظّفت دبلوماسيتها لتأمين مقعد للبوليساريو في الاتحاد الإفريقي، استنادًا إلى سردية “حق تقرير المصير” المستندة إلى الفهم السطحي للمادة 1 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
لكن السياسة الدولية لا تتحرك بالنصوص وحدها، بل بتأويلها، وبميزان المصالح، وبتحول السياقات. وكما يقول ونستون ” تشرشل “لا عداء دائم، ولا صداقة دائمة، بل مصالح دائمة”.
الرئيس الكيني وليام روتو، الآتي من عمق الفقر في إقليم الوادي المتصدع، لا يحمل في تكوينه السياسي عبء المواقف الرمزية التي ميّزت أسلافه. هو براغماتي صريح، يتقن قراءة الخريطة الدولية الجديدة. ومنذ أولى لحظات تسلمه الحكم، أظهر ميلا واضحا للمغرب، بلغ حدّ إعلانه، عبر “تغريدة خاطفة” عبر تويتر في شتنبر 2022، سحب اعتراف بلاده بـ”الجمهورية الصحراوية”. لم تدم التغريدة طويلاً، إذ سُحبت في اليوم الموالي، وخرجت وزارة الخارجية الكينية – تحت ضغط الحرس القديم في البلاد – لتُعلن أن الاعتراف بـ “الجمهورية الوهمية” مستمر، وأن الموقف لم يتغيّر.
روتو كان يُرسل إشارات، يحاول فرض بصمته الخارجية في بلد لا تزال مؤسساته العميقة تمسك بخيوط السياسة الخارجية. يومها لم يكن يملك من السلطة ما يُمكّنه من فرض القطيعة التامة مع “التركة القديمة”، لكنه بدأ التمهيد لصياغة جديدة لمواقف بلاده، تقوم على منطق المصلحة لا الإيديولوجيا.
مرت أقل من سنتين، وإذا به اليوم يُوقّع بالواضح والمباشر، دعما لا لبس فيه للمبادرة المغربية، وفتح لسفارة تُكرّس تحولا استراتيجيا في شرق إفريقيا.
وراء هذا التحوّل تقف دبلوماسية مغربية تشتغل بأسلوب مختلف عن الماضي، لا تعوّل على الخطابات ولا على التغير التلقائي للمواقف، بل على بناء الثقة وتقديم النموذج. فالمغرب، منذ سنوات، نسج علاقات اقتصادية وتقنية متينة مع نيروبي، وفتح أمامها آفاق تعاون في مجالات استراتيجية كالأمن الغذائي والأسمدة والفلاحة، مما منح كينيا بدائل حقيقية عن الارتهان للمال السياسي الجزائري.
هل لإسرائيل دور؟ ربما. فالتقارب المغربي الإسرائيلي فتح شهية بعض الدول الإفريقية للتقارب مع الرباط، باعتبارها حلقة وصل ممكنة إلى التكنولوجيا الإسرائيلية المتقدمة، والأسواق الغربية المتعاطفة مع هذا المحور الجديد.
ولا ننسى أن كينيا نفسها تربطها علاقات تاريخية مع تل أبيب، تعود إلى تعاون لوجستيكي بارز في عملية “عنتيبي” عام 1976 في العاصمة الأوغندية، حينما حاولت القوات الخاصة الإسرائيلية الإفراج عن الرهائن في الطائرة التي اختطفها فلسطينيون، وكانت هذه المساعدات على قدر كبير من الأهمية حيث قدمت السلطات الكينية مركز الانطلاق والمعلومات وحتى المساعدة في قواتها، وبقيت كينيا على علاقات مع “تل أبيب” رغم القطيعة الإفريقية الجماعية مع إسرائيل خلال السبعينات.
لكن العامل الحاسم يظل قدرة المغرب على الإقناع الميداني، وتقديم “الحكم الذاتي” كمقترح واقعي، متطابق مع أحكام المادة 73 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تدعو الدول إلى تهيئة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي للوصول إلى أشكال متقدمة من الحكم المحلي، دون أن يعني ذلك بالضرورة الاستقلال.
أما الجزائر، فهي تقف اليوم في موقع رد الفعل. كلما خسرت حليفا، أصدرت بيانا وهددت بعقوبات أو بالحرمان من امتيازات . وكلما كسب المغرب موقفا، ردّت عليه بإحياء خطابات “الشرعية التاريخية” و”تقرير المصير” في صيغتها المجتزأة. لكنها تخسر المعركة الواقعية. واليوم باتت جبهة البوليساريو محاصرة دوليًا، وداعموها يتساقطون بهدوء، فيما تكسب الرباط شرعية ميدانية وديبلوماسية لا تخطؤها العين.







