في الوقت الذي يسعى فيه المكتب الوطني للمطارات إلى التحول إلى شركة عمومية ذات رأسمال مفتوح، كما أعلن مديره العام الجديد، عادل الفقير، قبل أشهر، اختار المكتب أن يطلق “حركية داخلية” شملت تغييرًا في هيكلة بعض الأقطاب الكبرى، على رأسها قطبا الملاحة الجوية والاستغلال المطاري. تحركٌ بدا على الورق محاولة لإعطاء دفعة استراتيجية لتنزيل ما يُعرف بـ”رؤية مطارات 2030″، لكنه في العمق يطرح تساؤلات مقلقة.. هل يتعلق الأمر بإصلاح حقيقي، أم مجرد إعادة تدوير إدارية لا تمس الجوهر؟
من السياحة إلى الطيران.. هل الفقير هو الرجل المناسب ؟
عُيِّن عادل الفقير، في يونيو 2024، مديرًا عامًا للمكتب الوطني للمطارات، قادمًا من تجربة دامت أكثر من خمس سنوات على رأس المكتب الوطني المغربي للسياحة، حيث ركز بشكل واضح على التسويق الترابي والترويج الخارجي، لا على تدبير البنى التحتية أو التحديات التقنية اليومية. انتقاله المفاجئ إلى قطاع الملاحة الجوية أثار منذ البداية تحفظات داخلية، خاصة أن القطاع يعيش منذ سنوات على وقع تأخر في الاستثمار، نقص في الكفاءات، وضعف في منظومة الحوكمة التقنية.
في هذا السياق، اختار الفقير أن يبدأ بإعادة هيكلة الأقطاب الكبرى، وهي خطوة تذكر بأسلوبه السابق في “إعادة ترتيب الواجهات” كما فعل مع فروع السياحة الخارجية. لكنه في حالة المكتب الوطني للمطارات، يصطدم بواقع ميداني بالغ التعقيد، لا تكفي فيه الخطابات، بل يتطلب رؤية متكاملة تشارك فيها الكفاءات التقنية والإدارية على حد سواء.
وترى مصادر مهنية تحدثت لـ”نيشان” وتحفّظت على كشف اسمها وهويتها، أن الهيكلة المعلنة “تندرج في إطار إعادة توزيع داخلية محدودة التأثير، لم تشمل أي تغيير فعلي في منهجية العمل ولا في فلسفة التسيير”. وتضيف المصادر أن المسؤولين المعينين بالنيابة “لم تُمنح لهم صلاحيات حقيقية، بل يخضعون لتوجيهات مباشرة من الإدارة المركزية، وهو ما يفرغ مفهوم الاستقلالية الإدارية من مضمونه، ويُبقي القرارات الحساسة متمركزة في يد المدير العام، دون تفويض أو مساءلة واضحة”.
وتشير المصادر ذاتها إلى أن ما أُعلن عنه في بلاغ المكتب “لا يعدو أن يكون محاولة لتسويق دينامية داخلية، لكن دون معالجة جوهرية لاختلالات قائمة على مستوى الاستغلال الميداني، مثل ضعف منظومة الصيانة، والهشاشة التنظيمية في مطارات جهوية، وتباطؤ غير مبرر في إنجاز بعض المشاريع رغم الاعتمادات المرصودة لها سلفًا”.
في نظر هذه المصادر، الهيكلة الحالية “تحاكي منطق التجميل الإداري، ولا تستند إلى تقييم دقيق لأداء الأقطاب السابقة”، معتبرة أن أي إصلاح هيكلي لا يُبنى على تشخيص ميداني عميق، ولا ينبثق من نقاش داخلي يشارك فيه المهنيون، يكون مصيره “الترنح بين الخطابات وتبرير الفشل القادم”.
“مطارات 2030”.. رؤية طموحة بموارد متواضعة
حسب المخطط الاستراتيجي الذي يتبناه المكتب، فإن المغرب يسعى إلى رفع الطاقة الاستيعابية لجميع مطاراته من حوالي 24 مليون مسافر في 2023 إلى ما يزيد عن 60 مليونًا بحلول 2035، مع تحديث 15 محطة جوية وتوسيع مطارات رئيسية مثل محمد الخامس وأكادير وفاس.
غير أن هذه الأهداف الطموحة تصطدم بحقائق ميدانية صارخة. فمطار محمد الخامس، الذي يُفترض أن يكون بوابة المملكة الرئيسية، يعاني من اكتظاظ متكرر، تأخر في تسليم المحطة الجديدة (التي استغرقت أكثر من 8 سنوات من الإنجاز)، وشكاوى دائمة من نقص الموظفين في نقاط التفتيش الجمركي والأمني، فضلًا عن اختلالات في الربط الداخلي بين البوابة الجوية ووسط مدينة الدار البيضاء.
بالموازاة، لا يتعدى عدد المهندسين المتخصصين في نظام إدارة الملاحة الجوية داخل المكتب 60 إطارًا، في حين توصي المنظمة الدولية للطيران المدني بأن يتوفر كل مطار رئيسي على طاقم من 20 إلى 30 تقنيًا متفرغًا فقط لتدبير عمليات السلامة والصيانة، وهو ما لا يتحقق حتى اليوم في مطارات كبرى مثل الرباط أو طنجة.
هذا طبعًا دون الحديث عن الديون التي بقيت كتركة ثقيلة منذ عهد المديرة السابقة حبيبة لقلالش، والتي قُدِّرت في نهاية سنة 2023 بما يقارب 7.3 مليار درهم، قبل أن تنخفض بشكل طفيف إلى حوالي 6.5 مليار درهم مع متم 2024، وفق أرقام صادرة عن المكتب نفسه. ورغم تقديم هذا التراجع بنسبة 11% كنجاح مالي، إلا أن الأوساط المهنية ترى في هذا التقييم نوعًا من “التجميل المحاسباتي” الذي يخفي واقعًا أعقد.
فخفض المديونية، وإن تم عبر إجراءات هيكلية محدودة، لم يترافق مع إصلاحات جوهرية في نمط الإنفاق أو في فلسفة التسيير الداخلي. بل إن هذه المديونية مرشحة للارتفاع مجددًا، بالنظر إلى المشاريع الثقيلة المبرمجة في إطار “مطارات 2030″، والتي تتطلب – حسب تقديرات رسمية – استثمارات تفوق 12.3 مليار درهم في أفق 2027، دون وجود تصور دقيق حول مصادر التمويل، في ظل انكماش الميزانية العامة وغياب إطار تشريعي نهائي يسمح بجلب استثمارات خاصة.
اللافت أكثر، أن هذه الأرقام تُقدَّم في البلاغات الرسمية وكأنها إنجاز في ذاتها، دون مساءلة ما إذا كانت المديونية – في صيغتها المتراكمة – قد أنتجت خدمات أفضل، أو حسّنت من تجربة المسافر، أو رفعت فعليًا من أداء البنيات التحتية للمطارات. والحال أن جل التقارير الدولية تضع مطارات المغرب، بما في ذلك الكبرى منها، في مراتب متأخرة من حيث جودة الخدمات، زمن الانتظار، والربط البري بالمراكز الحضرية.
مقارنة دولية.. المغرب يتأخر في الهيكلة مقابل دول الجوار
عند مقارنة النموذج المغربي بنظرائه في المنطقة، يظهر تأخر واضح في ربط الهيكلة بالأداء. ففي تونس مثلًا، أنشأت الدولة منذ 2008 شركة وطنية لتدبير المطارات (OACA) تخضع لتدقيق سنوي من ديوان المحاسبة، وبدأت منذ 2017 عملية دمج بين التسيير التجاري والخدمات الأرضية، ما مكنها من رفع عائداتها بنسبة 40% خلال خمس سنوات رغم الأزمة.
في تركيا، أوكلت الدولة تسيير المطارات إلى شركة خاصة ذات شراكة عمومية (TAV)، ما سمح بتمويل مشروع ضخم كمطار إسطنبول الجديد، بطاقة تفوق 90 مليون مسافر، دون اللجوء إلى الدين العمومي. وفي المقابل، يظل المغرب يراوح مكانه بين مؤسسة عمومية تقليدية، لا تستفيد من مرونة السوق، ولا تخضع لمعايير محاسبة الشركات.
بين الصورة والواقع.. من يجرؤ على إعادة الهيكلة الحقيقية؟
الحديث عن “مطارات الغد” يبدو مغريًا على الورق، لكن الواقع الميداني لا يرتفع إلى مستوى التطلعات. فالهيكلة التي أطلقها المكتب الوطني للمطارات حتى الآن لم تشمل سوى الواجهة التنظيمية، دون مراجعة جذرية للسياسات التشغيلية، أو تغيير حقيقي في منطق الحكامة، أو إشراك الكفاءات الداخلية في صياغة الأهداف.
وفي غياب ميثاق تدبير واضح، وخطة تحول قانوني فعلية، وتدقيق مؤسساتي مستقل، – تؤكد مصادر نيشان – أن هذه الهيكلة تبقى مجرّد تمرين بيروقراطي جديد، يعيد إنتاج نفس الأعطاب القديمة، ويترك الموظفين في حالة ترقب، والمسافرين في انتظار “مطار مغربي يليق بالطموح الوطني”.







